في :إبحث عن
رئيس مجلس الإدارة ابراهيم سعده
رئيس التحرير جلال دويدار
دفتر الزوار | المنتدي الحر | الاشتراكات | الإعلانات | الأعداد السابقة


صفحة المسرح


حكايات إنسانية
49السنة -15239ه - العدد 1421ذو الحجةمن6 - م2001مارس من1الخميس
بتوقيت القاهرة 10:53:17 PM الساعة - 2/28/01 آخر تحديث يوم
      الرأي للشعب
كان.. زمان!!
التفاصيل

عقود الإذعان.. بين التخصيص والتهجيص
بقلم الدكتور: محمد مجدي مرجان
الأصل في العقود سواء أكانت شفوية أو مكتوبة أن توضع وتتم وتنفذ وفقا للرضاء التام بين طرفيها، اذ يقوم طرفا العقد بتحديد شروطه وبنوده وفقا لارادة حرة لاضغط ولا إكراه لأحدهما فيهاعلي الآخر، كما يتم انهاؤها أو تعديلها بنفس الطريقة وبمجرد عدم رضاءأي من الطرفين عن نصوصها أو الاستمرار فيها.
فإذا أردت مثلا أن أشتري شقة أو سيارة أو جهاز كهرباء فانني حر أن أختار العقار أو الجهاز الذي يروق لي وأن أتفق مع التاجر الذي يعجبني وبالسعر وطريقة السداد التي تلائمني ونكتب العقد ونوقع عليه ونلتزم به معا.
وبالمثل في العقود الشفهية فأنني اشتري اللحم من الجزار الذي أثق فيه ولديه نوع اللحم والسعر المناسب، وهكذا مع البقال والفاكهي وغيرهم وهذا يرجع الي توافر البضاعة المعروضة وتنوع مصادرها والشركات والتجار الذين يقومون بتسويقها، وبالتالي الي وجود منافسة بينهم علي تقديم الافضل والارخص للزبون لأنه علي حق دائما كما هو المتبع والمعروف والطبيعي في كل بلاد الدنيا التي تحترم الآدميين والحيوانات أيضا.
ولكن ماذا يفعل الزبون المسكين اذا كانت السلعة أو الخدمة المطلوبة غير موجودة إلا في مكان واحد ولدي جهة واحدة فقط دون سواها، خاصة اذا كانت هذه السلعة ضرورية وحيوية وأحيانا حياتية لايمكن له العيش بدونها كالمياه والغاز والكهرباء والتليفونات والبريد وغيرها؟
عندئذ يتحول الزبون من 'باشا' الي 'عبد' وتتحول الهيئة او المؤسسة او الشركة المحتكرة للسلعة او الخدمة الحياتية من 'يد دنيا أو سفلي' تطلب وتجمل وتحسن وتتقن وتبدع لكي تتفوق علي غيرها الي 'يد عليا' و'ارادة سامية' تأمر فتطاع وتستجدي فتتدلل وتتعالي وتتكبر.
وطبعا كل هذا وأكثر من حقها لأنها أصبحت 'الدلوعة' الوحيدة وبصراحة موش لاقية حد يقول لها 'تلث التلاته كام' وطبعا ليس في استطاعة 'العبد' الذي يتحدي 'الزبون' أن يجتريء علي صاحبة المقام الرفيع ولأن هذه هي مسئولية ولي أمره، وولي أمره هنا هي الحكومة.





ولكن ماذا يفعل المسكين اذا كانت ولي أمره هي اللي باعته للشركة وتركته بين يديها تلعب به وتعصر فيه كما تشاء.
والحكومة هي اللي أغلقت السوق علي الشركة المحظوظة وباعت لها الزبائن المحتاجين تستعبد فيهم كما تهوي وليس هناك اي مشكلة مادام الكل ينتفع والزبون هو الضحية والمحتاج يركب الصعب والساق فوق رقبته والساق هي ساق الشركة علي رقبة العبد المغلوب علي أمره واللي موش عاجبه يشرب من البحر وبالمناسبة هذه الكلمة مأثورة عن الزعيم الخالد جمال عبدالناصر قالها عن امريكا في سياق خطبة حماسية عصماء توعد فيها أمريكا بالويل والثبور وأمريكا لايهمها اذا شربت من البحر الابيض او الاحمر او حتي من الترعة، لأن عندها أجهزة تنقية تحولها الي مياه عذبة وصالحة وصحية ايضا، لكن المواطن ليس لديه إلا مياه الصنبور صحيح كلها رصاص ومعادن وزئبق ورمل وقطران وتسبب الفشل الكلوي، انما أحسن ما يموت من العطش.
المهم أن عملية الاحتكار هذه في منتهي الخطورة علي المستهلك، خاصة اذا كان 'المحتكر' للسلعة أو الخدمة الوحيدة عديم الضمير لاهم له إلا جمع المال وامتصاص دم الزبون الغلبان إن هذا الاحتكار محرم دوليا وفي جيمع قوانين الدول المحترمة، وهو محرم في مصر أيضا بموجب قانون خاص يمنع الاحتكار وتجريمه، حتي اذا تواطأ عدة تجار علي احتكار سلعة واحدة فيما يعرف تجاريا باسم 'الكارتل' فانه ممنوع ومجرم لدينا بنص القانون ويستوجب أشد العقوبات.
ان الاحتكار يجعل المحتكر منفردا وحده بوضع نصوص وبنود العقد علي سائر المتعاقدين وبصورة تقلب تماما التوازن المطلوب بين طرفي العقد، بل وتحول هذه البنود إلي شروط وأوامر سلطانية مفروضة ونافذة علي رقاب المتعاقدين أو المشتركين، ومهما ساءت الخدمة أو السلعة ومهما ارتفع السعر فلا يملك الطرف 'المحتاج' إلا الاذعان والخضوع والتسليم..
وهكذا تتحول العقود المبرمة بين الطرفين من عقود رضائية وهو الاصل الطبيعي لكل تعاقد الي عقود 'اذعان' لايملك الطرف المذعن او الذليل حتي حق الشكوي، ومهما شكا أوصاح فلن يسمع صراخه أحد وكأنه يؤذن في مالطة.





لقد كنا نقبل عقود الاذعان في الماضي لأن المحتكر لأساسيات حياتنا كانت هي الحكومة، ومهما بلغت الحكومة من جور وتعسف فقد كانت اقل جشعا وأرأف قلبا بأبناء الشعب لأنها تعلم رقة الحال وقلة الحيلة، وكنا نتحمل سوء الخدمة لأنها كانت علي 'قد فلوسنا' ولكنهم بشرونا بجنة التخصيص وتحويل المرافق العامة والخدمات الاساسية إلي شركات خاصة تتنافس فيما بينها علي راحتنا، تقدم خدمات أفضل وأسعار أقل والمستهلك العادي وفقا لأحدث التقنيات العالمية واتباعا لقوانين السوق وحرية التجارة واتجاهات العولمة0
وفرحنا واستبشرنا خيرا بعد أن تحولت الهيئات الحكومية المحتكرة التي كانت تأمر وتنهي وتشخط وتنطر الي شركات وديعة مستأنسة تبتسم للزبون وتروج وتعلن وتزوق السلعة وتضع لنا السم في العسل بكل براءة وبراعة وتتخصص وتتفنن في استنزاف مواردنا وخراب بيوتنا بأمر الحكومة وفي حراستها وفي اختراع المزيد من الوسائل لتشطيب جيوبنا وحرماننا من أبسط ضرورات الحياة، وتبين أن الامر في النهاية لايعدو تغيير العنوان أو اليافطة المرفوعة من هيئة أو مؤسسة حكومية الي 'شركات خاصة' ومن قطاع عام الي قطاع خاص ولكن بنفس أساليب بل وبأضعاف وسائل الاستغلال والتحكم ورفع الاسعار التلقائي والانفرادي والتجبر.
وتبين أن الامر لم يكن 'تخصيصا ومنافسه لأجل راحة الزبون ولكنه كان 'تهجيصا' وضحكا علي عقل الساذج المسكين لأجل امتصاص آخر نقطة في دمه، وماذا يفعل الضحية مع الجزارسوي أن يرفع رأسه الي السماء داعيا علي الظالم والمفتري، وأن يذهب الي المشايخ والاولياء الصالحين واصحاب الكرامات املا في أن يرق له قلب المحتكر ويرأف بحاله.
والحقيقة أن هذا لايمكن أن يحدث أو يتم مالم تتحول هذه الهيئات الكاذبة والمتخفية والمتقنعة الي شركات حقيقية عديدة تتقاسم وتتنافس فيما بينها علي تقديم نفس الخدمة وذلك منعا للاحتكار الممنوع والمجرم قانونا ومن أجل تحقيق راحة المستهلك وتقديم خدمة جيدة وبسعر مناسب وغير تعسفي وفقا لما هو متبع في كل أنحاء العالم، وعملا بما تقضي به قواعد حرية التجارة حقا والتي تقوم أساسا علي المنافسة ومنع الاحتكار ولكي يعود الزبون او المستهلك المظلوم إلي عرشه المسلوب ويسترد كرامته وحريته المفقودة ويتحرر من عبوديته لهؤلاء الظلمة ويصبح كما كان دوما هو اليد العليا وهو وبحق 'سي السيد' لأنه هو الذي يدفع.



أعلي الصفحة


الصفحة الأولي | مقالات ورأي | تحقيقات | أخبار الناس | الرأي للشعب | أخبار عربية وعالمية | أخبار محلية
اقتصاد | رياضة | راديو وتلفزيون | حوادث وقضايا | إلي المحرر | الصفحة الأخيرة
الاشتراكات | دفتر الزوار | الإعلانات | المنتدي الحر | الأعداد السابقة

All site contents copyright ) 2000 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbar@elakhbar.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Develped By: