محاكمة 'طالبان' علي الطريقة الإسلامية
القرآن الكري‹ يدين ما فعلته 'طالبان'!
 | | د. عبدالصبور شاهين |
|
كتب سالم الحافي:
حكم الضمير العالمي علي حركة 'طالبان' بالاعدام لتحطيمها جزءا من التراث الانساني متمثلا في تمثالي بوذا.. وصاحب ذلك ضجة اعلامية لم نسمع لها صوتا عند احراق المسجد الأقصي عام 1969 وعند هدم مسجد بابري بالهند.. ومع ذلك نحاكم ما فعلته 'طالبان' من وجهة نظر اسلامية.. انطلاقا من أن الاسلام يسمو بالقيم الانسانية والحضارية..
تعالوا بنا نسمع شهود إثبات ان الاسلام بريء مما فعلته 'طالبان' ولنبدأ بالدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون.. الذي قال في شهادته:
الأحكام الشرعية تبني علي سلسلة من القواعد الشرعية العامة التي استقاها العلماء من المصدرين الأولين للتشريع الاسلامي وهما الكتاب والسنة، واحدي هذه القواعد الشرعية الكبري قاعدة 'سد الذرائع' والذرائع جمع ذريعة ومعني الذريعة: الوسيلة.. سواء أكانت وسيلة تؤدي إلي أمر مشروع أو وسيلة تؤدي إلي أمر ممنوع شرعا، لكن العلماء عندما يطلقون التعبير بقاعدة 'سد الذرائع' فإنهم يريدون بها منع الوسائل التي تؤدي إلي أمر ضار دينيا، فإذا كان هناك أمر مباح لكن يترتب علي هذا الأمر المباح ضرر أو مفسدة أو اثارة الفتن والاضطرابات في المجتمع فإن هذا المباح الذي هو الوسيلة إلي هذا الضرر أو هذه المفسدة يتحول من كونه مباحا إلي أمر ممنوع شرعا، وهذه القاعدة الشرعية قاعدة سد الذرائع أخذها العلماء من نص القرآن الكريم، فقد كان المسلمون وقت نزول القرآن الكريم علي الرسول يشتمون الأصنام التي يعبدها المشركون، فكان المشركون يردون علي هذا بسب الله تبارك وتعالي فنهي الله عز وجل المسلمين عن سب الأصنام التي يعبدها المشركون لكيلا يكون ذلك وسيلة إلي تجرؤ المشركين علي سب ذات الله عز وجل، فقال تبارك وتعالي: 'ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدو ا بغير علم'.
والتماثيل التي وجدت في عصور سابقة عبر تاريخ الانسانية وتطورها بعيدا عن أنوار السماء مع انه يجوز تكسيرها اذا كانت تعبد من دون الله إلا أن هذا العمل مع كونه مباحا شرعا فإنه سيؤدي إلي اثارة الفتن والاضطرابات وحدوث أضرار دينية أو غيرها بالمسلمين، فإن هذا العمل يتحول من كونه مباحا إلي ممنوع شرعا، وكان من الواجب علي هؤلاء الطلاب الذين تنقصهم الثقافة الدينية وواتتهم الفرصة ليستولوا علي حكم أفغانستان ان يدرسوا ما سيسفر عنه هذا العمل من ردود أفعال ضارة بسمعة الاسلام والمسلمين وأضرار دينية من ناحية البوذيين أنفسهم واعتداءاتهم علي مقدسات المسلمين وردود الفعل من غيرهم من الهيئات الدولية الثقافية كاليونسكو والمنظمات التي تعني بالتراث الانساني، فالذي حدث كما كان متوقعا أن أحرق البوذيون المصحف الشريف وهذا ضرر ديني يماثل ما حدث من المشركين عندما سبوا الله عز وجل وقت نزول القرآن الكريم وربما تسفر الأيام المقبلة عن أضرار أخري تطول المسلمين ودينهم في اشتباكات بين أتباع بوذا والمسلمين. وهذا ناتج عن عدم التفكير السليم في الخطوات التي يفعلها هؤلاء الطلاب ناقصي الثقافة الدينية وساعدتهم قوي عالمية كبري في حكم أفغانستان التي نكبت بهم وأساءوا للاسلام بفتاوي ينقصها العلم والثقافة الدينية المتعمقة.
أسألوا الفاروق!
يواصل د. محمد رأفت شهادته قائلا: ان تمثالي بوذا كانا موجودين من 1500 عام كما يقولون أي قبل دخول الاسلام إلي أفغانستان ومع ذلك لم يحطمهما المسلمون طوال هذه الفترة الطويلة، وفي غير أفغانستان نجد المسلمين في عهد رياسة عمر بن الخطاب للدولة الاسلامية يفتحون مصر بقيادة عمرو بن العاص ويتولي عمرو حكمها ومصر كما هو معروف مليئة بتماثيل فراعنة مصر وملوكها ومع ذلك فإن عمر وهو الذي جاء القرآن موافقا لآرائه في بعض القضايا .. لم يأمر نائبه عمرو بتكسير هذه التماثيل.. واذا كان البعض يقول ان التماثيل المصرية لم تكن تعبد.. فنرد علي هذا قائلين ان الفكرة المستقرة عن التماثيل القديمة انها كانت لعبادة أصحابها ولم يتبين من الناحية التاريخية ان بعض التماثيل الموجودة في مصر كانت تعبد وبعضها كان لملوك لا يعبدون إلا بعد فك طلاسم حجر رشيد أي أثناء الحملة الفرنسية علي مصر، وبواسطة فك شفرة هذا الحجر استطعنا قراءة تاريخ مصر القديم وعلمنا أن بعض التماثيل كانت تعبد وبعضها لم يكن للعبادة.. فسلوك المسلمين الفاتحين لمصر واقرار الصحابة لهم بقيادة رئيس الدولة عمر بن الخطاب وهو من هو في فقهه في الشريعة وأحكامها وتشدده في تطبيق أحكام الشرع يدل هذا علي جواز الابقاء علي تماثيل لا تشكل خطرا علي العقيدة وإنما تصور فترة من تاريخ الفترات البشرية التي بعدت عن أنوار الشرائع الالهية، وتبين للبشرية عبر العصور المتوالية كيف كانت عادات الأقدمين وطقوسهم وعباداتهم المنحرفة التي أدت إلي عبادة البشر لبعضهم البعض.. فالابقاء علي الآثار لمعرفة أحوال أصحابها ليس أمرا ممنوعا وإلا لرأينا المسلمين عندما فتحوا مصر يبادرون إلي تحطيم 'أبوالهول' مثلا.. وفي هذا المجال أيضا نجد أن جزءا من الكعبة الشريفة توارثه العرب وهو غير مضموم لحيز الكعبة وهو ما يسمي 'بحجر اسماعيل' ومع ان هذا الجزء الخالي الذي يسور بسور صغير في جانب من جوانب الكعبة هو جزءمن الكعبة ذاتها حتي ان الرسول صلي الله عليه وسلم فكر في أن يدخله في حيز الكعبة لكنه خشي أن يؤدي ذلك إلي رد فعل شديد عند قريش وهي أقوي الأسر التي كانت تحكم الجزيرة العربية وينتمي إليها الرسول.. فلم يفعل ذلك وقال لزوجته عائشة رضي الله عنها: 'لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لبنيت الكعبة علي قواعد ابراهيم' وترك الكعبة بهذا الشكل ولهذا فإن الطواف حول الكعبة لا يصح إلا خارج السور الذي يسور هذا الجزء الذي هو جزء من الكعبة..
كل هذا يفيدنا أن الأمور التي تؤدي إلي الفتن والأضرار الدينية تكون ممنوعة بحسب القاعدة الفقهية المعروفة سد الذرائع بجانب قواعد أخري بيٌîنها العلماء منها: ان الضرر الأخف يجب أن يتحمل لدفع الضرر الأعظم'، و'إن درء المفاسد مقدم علي جلب المصالح'.
الوثن النفسي أهم
الشهادة الثانية للدكتور عبدالصبور شاهين.. الذي بدأها بهدوء قائلا: المبدأ أولا أن لا إله إلا الله ولا شريك له في ملكه، ومن المحرم قطعا السجود لوثن أو تعظيمه أي نوع من التعظيم هذا مبدئيا، لذلك فالرسول صلي الله عليه وسلم كانت رسالته تحطيم الأصنام بدءا من الوثن النفسي في قلب المشرك إلي الوثن المادي.. كما فعل في الأوثان التي حول الكعبة، كل ذلك تم بأمر الرسول بعد فتح مكة، وقد يكون السؤال لماذا لم يحطمها الرسول من أول لحظة، والرد أن جده ابراهيم فعل هذا فأنهت رسالته وأحرقوه، لذلك كان اهتمام الرسول بتحطيم الأوثان النفسية التي تسكن العقل التي هي أثبت في الوجود من الوثن الحجري.. فالذي يعتقد بالوثن ويقدسه لو حطمنا له وثنه من الممكن أن ينشيء غيره لكن اذا خلصاه من الوثن العقلي والنفسي المسيطر عليه يكون القضاء علي الوثنية سهلا بعد ذلك، ومن المؤكد أن أفغانستان محاطة بالبوذية، واذا كان البوذيون يعبدون الأوثان في شخص بوذا وتماثيله فإن الاسلام يرفض ذلك في بلاد الاسلام، لكن لا شأن لنا بما يحدث في بلادهم، فالمسلمون في الهندي لم يهدموا أبدا معابد البوذيين لأنها في غير ديار الاسلام، والهنود يعبدون الأبقار والثعابين بل ان في الهند من يعبد 'الفرج' وللفرج والذكر تماثيل يحتكون بها علي سبيل العبادة ولم يلتفت إليها المسلمون في الهند وهذا هو عين الصواب، فالرسول الكريم يقول: 'اتركوهم وما يدينون'.
العنوان خطأ
يواصل د. شاهين شهادته قائلا: المبدأ الأسمي لنا هو: لا شرك في بلاد الاسلام.. لكن هناك تناقضا غريبا في تناول ما حدث في أفغانستان فوسائل الاعلام العالمية لم تبال بالحصار والظروف السيئة التي يعيشها الشعب الأفغاني المسلم مما أدي إلي وفاة 400 طفل يوميا، لكنها أقامت الدنيا باسم الانسانية بسبب تدمير تمثالين..
يضيف د. شاهين: ان نظام 'طالبان' لا تعترف به سوي ثلاث دول اسلامية الامارات باكستان السعودية بينما باقي الدول الاسلامية 56 دولة لا تعترف به، لذلك كان محكوما علي تدخل الوسطاء بالفشل، لشعور الأفغانيين بتزييف أحكام ما يسمي بالضمير العالمي أوالانساني فالمقدسات الاسلامية عندما تهان أو تدمر لا يتكلم أحد لذلك قالوا لوفد علماء المسلمين: 'العنوان خطأ يجب أن تذهبوا إلي بابري والقدس'.
دموع السائحين!
أقسم بالله أن الأجانب من السائحين ينظرون إلي آثارنا الاسلامية بكل اجلال وتقدير.. بهذا القسم بدأ محمد عبداللطيف كبير مفتشي الآثار الاسلامية شهادته.. وأضاف: لا أبالغ أو أتجاوز الحقيقة ان قلت ان بعض السائحين يبكي أحيانا عندما يشاهد أثرا لن أقول فرعونيا بل عندما يشاهد أثرا اسلاميا نالته يد الاهمال أو يكون الأثر موجودا في أماكن مزدحمة، فهم يقدرون حضارتنا سواء كانت فرعونية أو قبطية أو اسلامية، بل إننا نمزح معهم أحيانا ونقول لهم: 'المخ والعضلات حتي في حضارتنا' فالمخ تمثله الحضارة الاسلامية برونقها وزخرفتها والتماثيل والمعابد الفرعونية الضخمة تمثل العضلات لأنها تحتاج إلي قوة بدنية لتشييدها.
يضيف قائلا: دعنا نعترف بأن التماثيل ليست مجرد قطع حجرية بل هي جزء من تاريخ الانسانية واذا دمرنا هذا التاريخ الانساني سنعود بالفعل إلي عصر الغابة لأن الانسانية ستكون بلا تاريخ.. هذا التاريخ الانساني نحن مأمورون دينيا ان نتأمله لنأخذ منه العبرة والموعظة فالله سبحانه وتعالي يقول: 'أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق' هذا من الناحية الدينية، أما من الناحية العلمية والحضارية فإنها توضح لنا كيف كان السابقون، واذا أخذنا أجدادنا الفراعنة مثلا لذلك نري ان أثارنا وضحت لنا كيف كانوا يعيشون وكيف كانوا متقدمين في فن الهندسة مثلا لدرجة ان اليابان حاولت منذ 15 سنة بناء هرم مماثل لأهرامات الجيزة ففشلت، والمعروف ان التسجيل أو الكتابة علي الحجر أو المعابد كانت هي وسيلتهم لتسجيل علومهم ولو لم يفعلوا ذلك ما وصل إلينا شيء من حضارتهم فعرفنا كيف كانوا متقدمين في الزراعة والصناعة وعرفنا حياتهم الاجتماعية وكيف وصل رقيهم الأخلاقي لدرجة ان في معبد الرمسيوم نقرأ ما يقوله الملك: 'انني لن ألوث ماء النيل' اذن فهناك فائدة حضارية تعود علي الشعوب عندما يصلهم تراث الأولين فكيف يدمر البعض تراث الأجداد ويعتبره أصناما لابد من تحطيمها؟!
.. وبعد.. فإننا نترك للضمير المسلم أن ينطق بالحكم علي 'طالبان' بعدما استعرضنا القضية من جوانبها الدينية والأثرية والحضارية..
|
|