سفر المرأة دون إذن زوجِا بين الرفض.. والتأييد
كتبت ألفت الخشاب:
فجأة، أصبحت قضية سفر المرأة دون إذن زوجها هي الشغل الشاغل للكثيرين في وسائل الاعلام، واحتلت الصدارة في الندوات والمؤتمرات وكأنما انتهت كل المشكلات التي تعاني منها المرأة المصرية ولم يتبق سوي استخراجها لجواز سفر دون إذن زوجها وشد الرحال بعيدا عن زوجها وأولادها، ولأن هذه القضية تتصل اتصالا وثيقا بقضية ولاية الزوج علي زوجته وتؤثر في نفس الوقت تأثيرا كبيرا علي استقرار الأسرة، عرضناها علي علماء الدين ليفتونا في هذا الأمر.
قال الدكتور اسماعيل الدفتار أستاذ علوم الحديث وعضو مجلس الشوري، ان عماد الأسرة يقوم علي الزوجين، الرجل والمرأة، ولكي تكون هذه الأسرة محققة للمقاصد الشرعية، لابد أن تسودها المودة والرحمة والألفة والتعاطف وقد أوجب الله علي الرجال القوامة حسب قوله تعالي: 'الرجال قوامون علي النساء' والحديث الشريف: 'كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته' وهذه القوامة ليست قوامة الجبروت والاعنات أو التضييق والاذلال وإنما هي قوامة الرعاية والحماية، ولكي يستطيع الزوج الوفاء بمسئوليته أوجب الاسلام علي المرأة حقوقا تؤديها له، ومن بين هذه الحقوق ألا تخرج من بيته وأن لا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه، ومن باب أولي لا تسافر إلا بإذنه.
السلطان ولي من لا ولي له
ويوضح الدكتور اسماعيل الدفتار ان ذلك يتحقق في حالة التراضي والمودة بين الزوجين، أما في حالة الشقاق والنزاع فإن المشاهد فيما يظهر من تصرفات الطبع البشري ان الغالب علي تصرفات الطرفين في تلك الحالة تكون بالفعل ورد الفعل والمعاندة، ولا يكون هناك التبصر والتفكر في العواقب، وقد عالج القرآن هذه الحالة علي مراحل، وجعل في آخرها تحكيم حكمين من أهلهما بين الزوجين، ويري كثير من الفقهاء أن حكم الحكمين يكون لازما وواجب التنفيذ بالنسبة لهما، واذا لم تتوافر، هذه الصورة شعبيا، فهناك القاضي وقد أعطاه الاسلام ولاية عامة علي المتخاصمين أو المحتكمين إليه، ويكون الحكم القضائي إعادة للتوازن بين الطرفين وردا للحقوق إلي أهلها، فإذا فرض أن الزوج يتعسف في منع زوجته من الخروج أو من السفر بقصد الاضرار بها والتضييق عليها وتفويت مصلحة مؤكدة بالنسبة لها، فإن الحكمين يمكن أن يؤديا دورا في هذا وإن لم يكن فإن القاضي هو صاحب السلطة في تقدير الأمر وترجيح المصلحة فإذا أصدر حكمه بسفرها رغما عن الزوج، فهذا حق للقاضي، وفي الحديث الشريف: 'اذا اشتجروا (تنازعوا) فالسلطان ولي من لا ولي له'
في حالة التعنت فقط
وحول قانون يبيح للمرأة السفر دون إذن زوجها يقول:
مدي علمي أن هذا القانون لا يبيح سفر المرأة دون إذن زوجها علي الاطلاق وإنما هو في حالة تعنت الزوج وتعسفه ورفع الأمر إلي القضاء، سفر المرأة حينئذ سيكون بإذن القاضي الذي أعطاه الشرع الولاية علي المتخاصمين.
ليس إجبارا للزوج!!
وبخصوص استخراج جواز سفر للزوجة دون إذن زوجها يستطرد:
من رأيي أن استخراج جواز سفر للزوجة بغير إذن الزوج لا يكون اجبارا له علي القبول بما لا يرضي، فإنه في حال اذا لم يرتض سفر زوجته بغير إذن يكون له الاختيار بين أن يستبقي الزوجية أو أن يفك عقدتها.
وأخيرا يضيف الدكتور اسماعيل الدفتار: انني أري أن المشكلة ليست في اجراءات ولا في قوانين، وإنما هي في التربية، تربية الطرفين عندما لا يربي الرجل تربية دينية سليمة لن تفلح معه أي قوانين ولن تمنع تعسفه، وعندما لا تربي المرأة تربية دينية سليمة لن يمنعها أي تعسف أن تفعل ما تشاء.
مخالف للنصوص
أما الدكتور أحمد يوسف أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم فيقول: الحكمة من اشتراط الشرع إذن الزوج للزوجة حتي تخرج أو تسافر أن الزوج هو المسئول عن الأسرة ومنها الزوجة، فينبغي اذا أرادت أن تخرج لأمر ما أو تسافر، أن تستأذن زوجها، ولأن الله سبحانه وتعالي أمرها بالقرار في البيت 'وقرن في بيوتكن' وأمرها بطاعة الزوج، وجعل له القوامة عليها، لأن كل تجمع مهما كان صغيرا أو كبيرا لابد له من قيادة، فرأي الشرع أن تكون القيادة في يد الزوج، وعليه في مقابل ذلك واجبات كثيرة منها استشارة الزوجة والانفاق علي الأسرة والمسئولية الكاملة عن إعاشة الأسرة.
وموقف الشرع كما يقول الدكتور أحمد يوسف من الزوجة التي تسافر دون إذن زوجها يتوقف علي الأسباب التي دفعتها لذلك، فإذا كانت هناك حاجة ضرورية تستدعي سفرها أو خروجها وزوجها يتعسف في استعمال حقه في منعها، فالمفروض أن ترفع أمرها إلي القضاء وتطلب منه تمكينها من السفر ويكون شأنه في ذلك شأن أي شخص يتعسف في استخدام حقه، فالزوجة التي تثبت ان زوجها متعسف في استعمال هذا الحق ويمنعها من أمر مهم وضروري دون وجه حق لها أن تأخذ حقها بالقضاء، أما أن يكون الأصل هو أن تخرج دون إذن زوجها فهذا أمر مخالف للنصوص الصريحة والقاطعة للشريعة الاسلامية.
تحريض للسيدات
وحول استخراج جواز سفر للمرأة دون إذن زوجها وحصولها علي حق السفر دون موافقته يقول الدكتور أحمد يوسف:
في رأيي أن هذا افساد في الأرض وافساد للعلاقة الزوجية بين الزوجين وكأنما هناك تحريض للزوجات علي عصيان أزواجهن، وهو أمر يهدد استقرار الأسرة وعندما يكون هناك اتفاق بين الزوجين لا يمانع الزوج أبدا في استخراج جواز سفر لزوجته ولا يرفض سفرها لكنه عندما يري انها تخرج دون داع أو لأمور يري انها تهدد الأسرة يمنع زوجته من الخروج خاصة عندما يري أن الأسرة في أمس الحاجة إلي وجودها في بيتها.
ويحذر الدكتور أحمد يوسف من استخراج جواز سفر للزوجة دون إذن زوجها قائلا: ان مثل هذه الأمور قد تؤدي إلي تبغيض الزواج إلي كثير من الشباب الذي يقدم عليه وهو يقدم رجلا ويؤخر أخري.
مرفوض دستوريا
وتري الدكتورة سعاد صالح العميد السابق لكلية الدراسات الاسلامية فرع البنات بالمنصورة، علي ما يقال من أن الدستور قد منح المرأة حرية الانتقال مثل الرجل قائلة: ان المادة (2) في الدستور تنص علي أن الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للأحكام، والمادة (9) تنص علي أن كل ما فيه مخالفة للقيم الاجتماعية والدينية فيما يتعلق بالأسرة فهو مرفوض دستوريا.
وتضيف قائلة: واذا خرجت المرأة من بيت زوجها دون إذنه تكون ناشزا وتسقط عنها نفقتها ويطالب الزوج بتأديبها حسب الآية الكريمة: 'واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا'.
مخالف للفطرة
وتري الدكتورة سعاد صالح ان فتح أبواب السفر للزوجة عن طريق اللجوء للمحاكم أيضا فيه تدخل للقضاء في العلاقة الخاصة بين الزوجين داخل الأسرة وفيه تشجيع لبعض الزوجات علي ترك أبنائهن للضياع ولاشك أن ذلك مخالف لفطرة الأمومة التي خلقت بها، أما إن كانت الحياة الزوجية قائمة وهادئة وفيها سكن ومودة ورحمة كما أمر الله سبحانه وتعالي فإن التفاهم والثقة والتشاور والتناصح هي التي تسود هذه العلاقة وهي لتحقق قول الله تعالي 'هن لباس لكم وأنتم لباس لهن' وهنا فإن الزوج حتما سيقدر الظرف أو السبب الذي من أجله تريد الزوجة السفر.
للزوجة أن تمنع زوجها
وتؤيد الدكتورة سعاد صالح إلغاء موافقة الزوج علي استخراج جواز السفر للمرأة قائلة: اني مع هذا الالغاء لأن جواز السفر مجرد وثيقة لاثبات شخصيتها وهي هنا تتشاور مع الرجل، أما في حالة سوء استخدام الزوجة لجواز السفر فللزوج أن يتدخل، وللدولة أن تسحب منها هذا الجواز اذا أثبت الزوج اساءة زوجته استخدام الوثيقة، وله أن يطالب بمنعها من السفر إن كان سيترتب علي هذا السفر هلاك لأحد أسرته.
كما أن للزوجة الحق في منع الزوج من السفر إن كان سيترتب علي سفره ضرر يلحق بأسرته، لأنه القوام المسئول عن قيادة الأسرة، ولأنه الراعي الذي قال فيه الرسول صلي الله عليه وسلم 'الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته'.
قوانين خاصة
وفي النهاية تطالب الدكتورة سعاد صالح بالنظر إلي الأسرة ككيان يتكون من أفراد، فهي أمومة وأبوة وبنوة، ويجب أن تكون تشريعاتنا متصلة بتحقيق الاستقرار والاستمرار لهذه الأطراف الثلاثة فلا ينبغي أن نفرد للمرأة قوانين خاصة، أو نفرد للرجل قوانين خاصة ثم يضيع الأبناء ويتشردون.
وتؤكد: ان اباحة السفر للزوجة عند وجود خلاف بينها وبين زوجها عن طريق القضاء سيؤدي إلي تشجيع بعض الزوجات ذوات النفوس الضعيفة اللاتي يخضعن لاغواء الشيطان واللائي يتسمن بالأنانية ينظرن إلي شخصيتهن وإلي مستقبلهن في العمل الدنيوي ويتركن العمل الأخروي الذي سيقابلن به الله سبحانه وتعالي وهو حق الزوج وحق الأولاد.
|
|