|
إبداع الأطفال مدخل لتحديث مصر
بقلم الدكتور:
محمود أبوزيد ابراهيم
جاءت دعوة الرئيس مبارك أمام مجلسي الشعب والشوري 'لتحديث مصر' بادرة طيبة لبناء الدولة العصرية، وارساء القيم الاجتماعية علي أحدث الأساليب العلمية في مختلف ميادين العمل والانتاج بحيث يسهم كل مواطن اسهاما ايجابيا في مصير وطنه ومستقبل بلده.
ومثل هذه الدعوة تحتاج الي سواعد قوية وعقول مبدعة وشخصيات موهوبة، تقدم الحلول الجديدة للمشكلات التي تواجهنا، وتيسر الوسائل المناسبة لحياة أفضل في عصر يتميز بالمنافسة والتغير والتقدم.
وهذا ما يدعونا إلي الاهتمام بالطفولة المبدعة، لأن التربية المبكرة للطفل خلال السنوات الأولي من عمره، تترك بصماتها علي شخصيته، وعلي بعض أنماط سلوكه، وتطبع تلك الشخصية بطابعها الذي يستمر تأثيره بعد ذلك.
وعلينا أن نبدأ من الأسرة باعتبارها البيئة الطبيعية التي يمارس فيها الطفل حياته ولذلك فإنها تلعب دورا هاما في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من ابنائها والأخذ بيدهم، وتقديم وسائل الرعاية اللازمة لهم وتنمية قدراتهم وامكاناتهم ومواهبهم ومقابلة متطلبات حاجاتهم.
وفي هذا الصدد علي الأسرة أن تقوم بملاحظة الطفل بشكل منتظم وأن تقوم بتقييمه بطريقة موضوعية، حتي يمكن اكتشاف مواهبه الحقيقية والتعرف عليها في سن مبكرة، والإلمام بما لديه من استعدادات وإمكانات وقدرات، وتوفير الامكانات المناسبة، وتهيئة الظروف الملائمة، وإلي احاطته بكثير من المثيرات ذات العلاقة بمجالات التفكير والنشاط الابداعي التي تعينه علي استغلال قدراته العقلية ومواهبه الابداعية الكامنة.
كما يجب اتاحة الفرصة للطفل للتعرف علي الأشياء الجديدة وتشجيعه علي القراءة والاطلاع في اطار مشروع القراءة للجميع الذي تتبناه السيدة الفاضلة سوزان مبارك، كما أن علي الأسرة أن تقبل الطفل المبدع أو الموهوب، وأن تعامله باتزان فلا يصبح موضع سخرية، ولا تنقص من شأن مواهبه، كما يجب ألا تبالغ في توجيه عبارات الاطراء والاستحسان الزائدة إليه حتي لا يشعر بالغرور والاستعلاء، كما يجب ألا يغيب عن أنظار الأسرة أن من حق الأطفال المبدعين أن يمارسوا أساليب الحياة العادية مثل غيرهم من الأطفال.
***
ويبدو أن دور المدرسة أو المؤسسة التعليمية في مجال تربية الأطفال المبدعين عظيم الأهمية، ومن هنا جاء اهتمام وزارة التربية والتعليم بعقد مؤتمر قومي للموهوبين برئاسة السيدة سوزان مبارك، إذ يمكن للمدرسة أن تقدم الكثير في مجال اكتشاف الموهوبين والمبدعين من خلال تصميم بطاقات مدرسية تعتمد علي الملاحظات الموضوعية للمدرس ونتائج الاختبارات.. بالاضافة الي الحالة النفسية والظروف الاجتماعية للتلميذ، ومستوي التحصيل الدراسي والحالة الصحية والنشاطات الرياضية والفنية، وتسجيل ما ينتجه التلاميذ في صحائف تشتمل علي الجوانب المتعددة للانتاج الابداعي، وتوفير أخصائيين مدربين علي النظر إلي النتائج وتحليلها واستخلاص المؤشرات اللازمة منها، بالاضافة إلي موقف المعلم وطرق التدريس المستخدمة.
وبمقارنة نمط المدارس التقليدية المعروفة باهتمامها وتركيزها علي أساليب التفكير التلازمي وأنواع التعليم المفروض علي التلاميذ بدون اختيار، وبين نمط المدارس غير التقليدية، يتضح تميز تللك المدارس غير التقليدية بعدة سمات ايجابية تتميز بها علي المدارس التقليدية وأهمها:
* الاهتمام بالتركيز علي التعليم الذاتي والنشاطات الابداعية.
* ارتفاع مستوي العلاقات الإنسانية بين العناصر البشرية بالمدرسة من ادارة ومدرسين وعاملين بشكل واضح، وذلك بسبب غياب عوامل العقاب، واختفاء التقييم التقليدي، وتلاشي التعليم التلقيني وارتفاع مستوي الشعور بحرية التفكير.
* ثقة المدرس في قدرات التلاميذ علي القيام بعمليات التفكير العريض وتشجيعه لهم علي ممارسته وتجربة اهتمامات وافاق تفكيرية جديدة غير متوقعة.
* تهيئة البيئة المدرسية بشكل يسمح بتطور عوامل الشخصية بشكل ايجابي، مما يؤثر بدوره علي تنمية القدرات الابداعية وتطوير التفكير الابتكاري. كما تشير نتائج الكثير من التجارب التي اجريت عن طبيعة العلاقة ما بين المدرسين وتلاميذهم من الموهوبين، والمبدعين الي قيام المعلمين غالبا بزجر التلميذ صاحب السلوك الابتكاري أو الابداعي بدلا من تشجيعه واثابته.
وقد اتضح من نتائج معظم تلك البحوث أن المعلمين كانوا غير قادرين علي تحرير القدرات الابتكارية، والابداعية لدي تلاميذهم واطلاقها من عقالها، وذلك لأنهم كانوا يفتقرون إلي التفكير المبدع، ومن ثم فلم تتوافر لديهم الأسس النفسية اللازمة للقيام بتدعيم الابداع، والميل إلي الابتكار وتعزيزهما.
***
ونظرا للدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه المدرس في تنمية شخصية الموهوبين، والمبدعين، وتطوير قدراتهم، فإن الأمر يتطلب أن يكون المعلم قادرا علي التأثير في تلاميذه بشكل ايجابي يؤدي إلي احداث تغيير أفضل في شخصياتهم، وفي سلوكهم.
ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق منح التلاميذ الفرصة للتفكير الحر في مجالات عريضة بدلا من الاصرار علي توجيههم لجمع المعلومات وحفظها ثم استدعائها عند اللزوم كما يجب أن يكون المعلم قادرا علي تهيئة الفرص التي تساعد تلاميذه من الموهوبين عن طريق تشجيعهم علي زيادة مستوي تفاعلهم مع زملائهم الآخرين.
ومما سبق يتضح لنا أن ما يتمتع به المعلم من قدرات عقلية وسمات شخصية، ومزاجية، ومهارات مهنية له أثر لا يمكن انكاره علي التلاميذ عامة، وعلي الموهوبين والمبدعين بصفة خاصة، كما يدعونا ذلك إلي المناداة بضرورة تحلي مدرسي هذه الفئة من التلاميذ ذوي المهارات الفائقة بسمات ايجابية ذات طابع خاص في مجال التدريس، والعلاقات الانسانية أكثر من غيره مثل: الذكاء، ونفاذ البصيرة، واليقظة، والايجابية، والميول الفنية، والقدرة علي اتاحة الفرص للتلاميذ لتحمل المسئولية والمهارات في توفير الفرص المتكافئة لممارسة أدوار القيادة والتبعية، ووفرة الاطلاع، وسعة الأفق، وتنوع الثقافة، والقدرة علي قيادة المجموعة، وتوجيه المناقشات، والاتزان الانفعالي.
أما المدرسة فتستطيع أن تقوم بدور مميز وواضح لا يمكن تجاهله أو انكاره في تشجيع المواهب والقدرات أو قد يكون التشجيع ماديا أو معنويا.
ومن الضروري أن تعمل المدرسة علي توفير ما يشبع احتياجات الموهوبين، والمبدعين علي المستويات النفسية، والاجتماعية، ومساعدتهم علي تنمية قدراتهم، ومهاراتهم، والتخطيط لبرامجهم، وأهدافهم المستقبلية.
كما يجب أن توفر المدرسة للمعلم، والتلميذ معا الوسائل المعينة كالنماذج، والعينات، والخرائط، والرسوم الايضاحية، والبيانية، والتسجيلات، والمطبوعات، والعلوم والآداب وأن يتاح للموهوبين والمبدعين الاطلاع علي المراجع المتخصصة والبحوث العلمية بالاضافة إلي تدريس الكمبيوتر والتعامل مع الانترنت.
وهناك نقطة أخيرة هي العمل علي تطوير نظم الامتحانات، ووسائل التقويم بحيث لا تقتصر جميعها علي قياس الحفظ، والاسترجاع هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فإن عدم مراعاة الميول، والسماح للطلبة باختيار بعض المواد التي يمتحنون فيها يعتبر نوعا من اهدار الملكات، ومضيعة لكثير من القدرات التي كان يمكن أن تبرز وتتطور لمصلحة كل من الفرد، والمجتمع.
 كاتب المقال: استاذ المناهج بكلية تربية عين شمس
|