|
هل ستظل أمريكا أقوي دولة في العالم؟
بقلم الدكتور: حافظ يوسف
كلمة واحدة جاءت في سورة غافر سبقت ولخصت في إعجاز ما اكتشفه ابن خلدون بعد مئات السنين ثم اكده ارنولد توينبي في القرن العشرين عن صعود ونزول الامبراطوريات والحضارات، وجاءت الكلمة علي لسان احد قوم فرعون موسي يكتم ايمانه وهو يتحدث إليهم.
(يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض) 'غافر/29'
إن كلمة 'اليوم' هنا اشارة مبكرة في التاريخ الي مرحلية صعود احد المجتمعات بحيث يقود العالم أو قطاعا كبيرا منه في مختلف المجالات لفترة تطول او تقصر قبل أن تأتي مرحلة الهبوط.
ونحن ننبه هنا الي هذه الاشارة المبكرة لأن الفترة التي نزل فيها القرآن لم يكن صعود ونزول الحضارات قد وضح وتكرر بحيث يتيح لدارس ان يكشفه، فضلا عن ان هذا النوع من العلوم لم يكن قد وجد من يبدأه حتي أتي ابن خلدون الذي عاش في الفترة من 1332 الي 1406 ميلادية، اي بعد ما يقرب من ثمانية قرون من نزول القرآن.
لقد نظر ابن خلدون الي الدولة علي انها كائن حي يولد وينمو ثم يهرم ويفني، اي ان للدولة عمرا كالكائن الحي، وترتكز نظريته علي ملاحظاته علي تطور العصبية التي تربط مجتمعنا بعينه بتوالي الأجيال التي يحددها بثلاثة أجيال رئيسية:
الجيل الأول: يعيش حياة بدوية في الريف او البوادي ويتميز بالعصبية، وابناء هذا الجيل 'لم يزالوا علي خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك صورة العصبية محفوظة فيهم، فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون'.
الجيل الثاني: وهو الجيل الذي يتحقق علي يديه الملك، والذي يؤسس الدولة، فينتقل من الحياة البدوية الي الحياة المتمدينة المترفة، والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترف من البداوة الي الحضارة ومن الشظف الي الترف.
الجيل الثالث: اما الجيل الثالث فينسون البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون العصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غاية ما يتبنوه من النعيم ونضارة العيش، ويتم علي يد هذا الجيل انهيار الدولة لاستغراقه في الترف.
***
وينتهي ابن خلدون الي خاتمة توضح خلاصة تفكيره في جدوي التاريخ بالنسبة لحل قضايا العصر:
'من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الاحوال في الامم والاجيال بتبدل العصور ومرور الأيام، وهو داء شديد الخفاء قد لا يقع إلا بعد احقاب متطاولة، فلا يكاد يتعظ له إلا الآحاد من أهل الخليقة ذلك لأن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم علي وتيرة واحدة ومنهاج مستقر'.
وقد استند ابن خلدون في استنتاجاته هذه علي دراسة للحضارات التي قامت حتي زمانه كحضارات الفرس والسريان والقبط والروم والعرب وغيرها.
اما ارنولد توينبي الذي اعجب ايما اعجاب بابن خلدون فقد جاءت موسوعته 'دراسة للتاريخ' بناء علي دراسة احدي وعشرين حضارة انتهي فيها إلي القول بأن المدنيات إنما تظهر للوجود عندما تواجه الناس مشكلة يطلق عليها توينبي اسم 'تحدي' وتتطلب لحلها استجابة وبالرغم من ضرورة تعرض الحضارات للتحديات كشرط اساسي للارتقاء الا ان هذه التحديات يجب ان تكون متوسطة العنف كي تكون حافزا علي مضيها في الطريق الصاعد، لأنه اذا كان التحدي عنيفا فعندئذ ستخفق الحضارة في تحقيق استجابة ملائمة له، واذا كان ضعيفا فستخفق الحضارة ايضا لأنه حينذاك لن يشكل هذا التحدي دافعا بأي صورة للحضارة وارتقائها.
ولم تكن الاشارة القرآنية السابقة هي الوحيدة، ففي القرآن الكريم تنبيهات متعددة لهذا العلم الذي لم تتضح اموره الا بعد مئات السنين من نزول القرآن:
'قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك علي كل شيء قدير' (آل عمران/26)
'ولكل أمة أجل' (الأعراف/34'
'وتلك الأيام نداولها بين الناس' (آل عمران/ 140)
وهذه المداولة الإلهية بين الناس ضرورة صحية لتطور الأرض:
'ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل علي العالمين' (البقرة/251)
***
ولقد اتاح التاريخ لأبناء القرن العشرين الفرصة لأن يشاهدوا بأنفسهم صعودا ونزولا لامبراطوريات في وقت متقارب حيث اصبحت الحركة اسرع مثل ألمانيا وانجلترا والاتحاد السوفيتي، وان اجل الآخرين لآت طال الزمن او قصر، ذلك ان قيام مجتمع او اكثر بقيادة الحضارة أو التحكم العسكري والاقتصادي في العالم هو نظام كوني دوري.
لقد قاد المصريون العالم حضاريا في فجر التاريخ قبل ان يزاملهم ابناء ما بين النهرين، ثم تبعهم الفرس والاغريق والرومان، بعد ذلك جاء دور العرب والمسلمين، ثم انتقلت كرة قيادة الحضارة الي اوروبا والولايات المتحدة، وقد تكون متجهة حاليا الي الشرق الأقصي.
لقد كنت قد ابتدأت كتابة هذا المقال من فترة، الا ان قصة الطائرتين الأمريكية والصينية تجعل استيعاب بعضنا لما فيه ايسر.
لقد اتيح لي زيارة الصين في أواخر الثمانينيات في الفترة التي بدأت فيها الصين انطلاقها الاقتصادي غير المسبوق علي مستوي العالم، وكان عجيبا ان اجد في بكين نفسها وكان ذلك في شهر اكتوبر ان بعض الصينيين كانوا يكومون الكرنب علي ابواب المنازل كي يجمدها الشتاء القادم حتي يأخذ المواطن الصيني حاجته منه خلال الشتاء حيث لم يكن متاحا لكل صيني امتلاك ثلاجة في بيته، وادركت فيما بعد لماذا تتمسك الصين بالنظام الشيوعي رغم ان تعاملها مع العالم الخارجي رأسمالي كامل، ذلك ان النظام الشيوعي بدون اضرابات او المطالبة بزيادة المرتبات يتيح للحكومة المركزية التحكم في اسعار المعيشة فقدمت للمستثمرين الامريكيين والاوروبيين واليابانيين ارخص عمالة حيث تمثل تكاليف العمالة اهم بند في الصناعات التي تصر الصين علي ان يقدم المستثمر اسرارها التكنولوجية كاملة، فاستطاعت الصين برخص منتجاتها ان تفتح للمستثمر اسواقا في قري بوروندي بأفريقيا وشارع اكسفورد في لندن واصبح المستثمر الذي كان يصنع مائة الف قطعة في بلده ينتجع عشرة ملايين قطعة في الصين، ورغم ان الصين تمتلك الاسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات، فان الكونجرس الامريكي يمنحها سنويا ميزات تجارية ضخمة لان ذلك في مصلحة المستثمر الأمريكي نفسه.
***
لقد حققت الصين في بعض السنوات نموا اقتصاديا قدره 13 % ورغم التراجع الاقتصادي العالمي فقد تجاوزت في العالم الماضي 8 % .
وليقلب كل مصري في مشترواته المستوردة ليجد ان اكثرها صنع في الصين، لقد انعكس علي مشاهدي التليفزيون منذ مدة ألم رئيس مركز الفنون بمصر لأن المصري الذي استورد فوانيس رمضان العام الماضي من الصين قد قتل أسرا مصرية كانت تعيش علي تصنيع فوانيس رمضان كل عام.
|
|