|
|
|
|
51 | السنة - | 15733 | ه - العدد | 1423 | رجب | من | 22 | - م | 2002 | سبتمبر | من | 29 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
08:11:23 PM |
 |
الساعة - |
 |
28/09/01 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
أخطاء الكبار!!
تظل بعض اخطاء كبار الفنانين عبر مراحل تطور الفنون التشكيلية علامات دامغة.. تكتشف عبر الزمن الممتد بالصدفة واحيانا اخري تظهر من خلال التأمل الدقيق للباحث والدارس والمتلقي المثقف بصريا، وخاصة في المراحل التي كان فيها الفن يحاكي ثوابت الطبيعة.. وفي ظل اعتبار ان الانسان محور للكون فالجسد شكل اهم عناصر الاعمال الفنية في وقت كان الاهتمام بعلم التشريح ضرورة، حيث كان التنافس في تحقيق النسب المثالية والجمالية لحركة الجسد بأوضاعه الحركية والتعبيرية المختلفة.. لذلك نسوق هنا مثالين هامين اكتشفت فيهما اخطاء محددة وغير قابلة للشك.
 الاول : تمثال 'امنحتب الثالث' الاسرة الثامنة عشرة الفرعونية بمتحف الاقصر.. منحوت في حجر الكوارتز ذي اللون الوردي المشرب بخطوط بيضاء وسوداء.. وبالحجم الطبيعي مصدره خبيئة معبد الاقصر الجزء الغربي من الفناء المفتوح للملك امنحتب الثالث تاريخ اكتشاف الاثر 9 فبراير 1989 والمكتشف العالم الاثري محمد الصغير.
ونحن هنا امام تمثال يعد من روائع فن النحت علي مر العصور، فها هو الملك امنحتب الثالث يقف مزهوا بشبابه وقد ارتدي سترته السفلية المشدودة والمزركشة يعلوها وشاح يلتف حول وسطه ومعقود في منتصفه، وقد وضع ذراعيه بجانبه قابضا علي مخطوطتين في كلتا يديه، وفي وقفته المهيبة والممشوقة يمد الملك قدمه اليسري إلي الامام كما لو كان يسحق بقدميه ويسير فوق اعداء البلاد، ونجح الفنان بصورة رائعة ومثيرة عندما صور الملك وملامحه في الطبيعة بأن جعل التمثال الملكي موحيا بالطقس الديني والعظمة والمجد لتخليد الملك امنحتب الثالث.
وعندما نتأمل التمثال الرائع من المواجهة نجد ان الرأس منحوت علي الجسم في غير موضعه فاذا ما اخذنا خطا عموديا يقسم الرأس إلي نصفين متماثلين نجد الرأس متحركا تجاه الكتف الايسر لمسافة سنتيمترين، واذا طبقنا نفس المناصفة علي الجسم نجد نفس النتيجة، وقد اكتشفت هذا الخطأ عام 1995 اثناء زيارتي للمتحف ويأتي هذا الخطأ احيانا نتيجة صعوبة النحت المباشر في الحجر حيث ما يحذفه الازميل من الحجر لا يمكن اصلاحه.. فالاحتمال الوحيد الصائب هو تركيز الفنان علي التعبير عن شخصية الملك مما ادي إلي عدم تمركز الرأس في وسط الكتفين.. مما جعلني اعيد القياسات علي الطبيعة لاكتشاف احتمال اخر بأنه اراد زيادة عرض الكتفين لاعطاء الملك قوة وجمالا، وجدت ايضا ان الخلل ليس في زيادة عرض احد الاكتاف عن الآخر فتأكد لي مرة اخري ان الرأس نحت في غير موضعه.
 الثاني: تمثال 'مناجاة الحب' للمثال محمود مختار (1891:1934) منحوت في الرخام الابيض، بحجمه الصغير، ويتضح من الكتب الصادرة عن مختار ان هذا التمثال نحته الفنان عدة مرات منها البرونز بمراحله المختلفة، الطين، الصلصال ثم الجبس ثم السبك والمنحوت في الرخام.. وهو الكائن بالمتحف، يقول 'بدر الدين ابوغازي' (1924 1983) وزير الثقافة الاسبق: 'كانت مصر التي تفتح عليها شباب مختار بلدا اخذه الزهو بالمجد وترددت فيه اصداء التغني بالقديم'، اما الناقد الاسباني الشهير 'مانويل جارثيا فينيولاس M.G. Vinolas فيقول عن مختار: في محاضرته بالقاهرة عام 1991 للمشاركة في الاحتفال المئوي لمختار.. بداية لم نعرف فن مختار في اسبانيا ولا اوروبا!! وعندما توجهت لمتحفه للاعداد لمحاضرتي اكتشفت نحاتا مصريا اصيلا لو اتيحت لاعماله فرصة الانتشار لاصبح ذا سمعة عالمية.. وقال توجد una ducina بمعني دستة تماثيل تضارع تماثيل النحات الفرنسي العالمي 'رودان Rodin' (1840 1917) وقال ايضا عندما عدت إلي الفندق مساء و اطفأت انوار حجرتي ووضعت نفسي علي السرير، تخيلت تماثيل مختار تترك قواعدها وتتوجه إلي النيل.. ثم قال اذا اتيحت لي الفرصة مرة اخري لزيارة متحف مختار سأخلع حذائي قبل دخول المتحف.
نعود لتمثاله 'مناجاة الحب' نجد امرأة جالسة ورأسها في وضع ايماءة قليلة واضعة يدها اليسري علي خدها الايسر في حالة حب وتأمل وذراعها الايمن مستندا علي الارض في حالة استرخاء.. والحبيب يضم ساعديه متكأ علي فخذها الايسر واضعا قبضتيه اسفل ذقنه رافعا رأسه إلي اعلي في حالة مناجاة.
وعندما نتأمل قدمي الحبيب التي تظهران في حالة انبساط للخلف بوضوح نجد ان القدم اليمني نحتها كأنها قدم يسري، فأصبحت الاصابع كلها باليمني متجهة من الاصبع الكبير إلي اليمين كما هي في اليسار وهذا خطأ كبير حيث ان القدمين اصبحتا يسرتين ظاهرتين فالخطأ الوارد هو نتيجة نحت القدمين في حالة بصرية معزولة عن الواقع التشريحي وخدعة لما تقع عليه الحركة الخلفية للقدمين.
فعلي الرغم من عظمة النحات المصري القديم و عبقرية 'محمود مختار' إلا ان اخطاء الكبار ستظل دامغة في تاريخ الفن.
|
|
|
 |
|
|
|