|
|
|
|
53 | السنة - | 16557 | ه - العدد | 1426 | ربيع الآخر | من | 9 | - م | 2005 | مايو | من | 17 | الثلاثاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
08:40:30 ك |
 |
الساعة - |
 |
15/05/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| السياحة لقمة عيش في كل بيت |
|
|
السياحة لقمة عيش في كل بيت
في الغردقة.. الابتسامة علي وجوه كادحة
تحقيق من الغردقة تكتبه :
نوال مصطفي
 | | شباب ..يعمل .. يحلم .. ويرقص |
|
وقفت اتأملهم في صمت!
وجوه شابة، لها بشرة سمراء.. وعيون مقتحمة. انهم مجموعة من شباب مصر المؤمن بالعمل والكفاح كأساس لصناعة المستقبل. شباب يدرك اهمية السعي الدءوب من اجل الحصول علي فرصة عمل.. ومستعد لتحمل ظروف ومتطلبات الوظيفة.
شباب مقتنع بأن الانتظار في طابور البطالة الطويل مضيعة للوقت وأن التفكير بأسلوب غير تقليدي هو بوابة الدخول الي المستقبل.
وهنا.. في مدينة الغردقة أجمل مدن البحر الأحمر اسعدني الحظ ان التقي بهذه النوعية المشرفة من شباب مصر.. استمعت الي قصصهم الواقعية.. وكم كانت شائقة ومثيرة!
ففيها اقتحام جريء للواقع بفكر واع وقلب يملؤه الايمان والثقة.. وارادة لا تؤمن بالمستحيل.
في هذا التحقيق الحي من مدينة الغردقة سأحاول ان أروي ما شاهدته وما سمعته.. وسوف تدرك عزيزي القاريء ان هناك شبابا علي ارض مصر يعيدون الينا الأمل.. كل الامل في مستقبل هذا الوطن.
نغمة مختلفة.. تبتعد كثيرا عن النغمة السائدة.. اليائسة!
عندما وقفت في ميدان 'السقالة' بوسط المدينة أتابع تدفق الشباب علي مكان الحفل الغنائي المقام في الشارع، علي نمط حفلات الشارع التي تقام في معظم الدول الاوروبية والأمريكية.. اندهشت!
اما سبب الدهشة فهو ان هذا الشباب الذي وقف في الميدان يصفق ويغني ويرقص بانطلاق وسعادة هو نفسه الشباب الذي كان يعمل في الصباح بمنتهي الجدية والتفاني والاخلاص في العمل.
ورأيت الابتسامة تعلو كل الوجوه.. والتعامل الودود الذي يتسم بالدفء والانسانية هو السمة الغالبة بين الناس هنا لا عدوانية.. ولا خشونة في التعامل ولا عبوس وتجهم علي وجوه الناس.. الحقيقة تعجبت.. وقلت لنفسي.. سبحان الله. ما دول برضه مصريين زينا .. ومن المواطنين الكادحين الذين يعملون ويكافحون ويتغربون عن اسرهم بالشهور من اجل لقمة العيش. إذن لماذا هم يبتسمون.. وغيرهم في العاصمة مثلا عابسون؟ لماذا هم يتعاملون برقة ولطف بينما اصبحت العدوانية هي احدي سمات المواطن القاهري.. والعدوانية انواع.. فقد تتجسد في الكسر بسيارتك دون سبب علي سيارة تسير الي يمينك أو علي يسارك.. وقد تكون تعديا بكلمات جارحة أو مستفزة بين زميل وآخر. وقد تتمثل في ردود سخيفة أو افعال منفرة أو قرارات محبطة!
الابتسامة علي وجوه الجميع
المهم.. لم أجد هذا الجو العدواني بأشكاله المختلفة في تلك المدينة الرائعة.. بل وجدت الابتسامة مرسومة بلا افتعال علي الوجوه.. كل الوجوه.. وجوه المصريين ووجوه الأجانب. كما التقطت شيئا مهما وهو ان ملامح المصريين هنا هادئة.. غير متقلصة ولا متشنجة مثل الكثير من الوجوه التي نراها في القاهرة.
فهل هو الجو وتأثيره علي البشر.. صحتهم ومزاجهم وطريقة تفكيرهم؟ هل هو العمل الجاد، والعائد المجزي هو الذي يحقق التوازن النفسي داخل هؤلاء؟ هل الاحتكاك بجنسيات اجنبية اخري اكسبهم خبرة وقدرة علي ممارسة فن الحياة.. وتحسين وتطوير انفسهم؟
رحت ابحث عن اجابات لتساؤلاتي .. وملاحظاتي وكان لي لقاء مع عدد كبير من العاملين في الفنادق والمحلات من مختلف المستويات الوظيفية.. وهذه لقطات من تلك الحوارات.
مفاتيح النجاح
التقيت ب 'أشرف اسماعيل' مدير عام بأحد الفنادق خمس نجوم بالغردقة وسألته: هل تتيح مهنة الفندقة مجالا للصعود الي مستويات الادارة العليا.. أكثر من اي مهنة أخري ؟ فأنت مثلا مدير فندق وعمرك 46 سنة؟
قال: كلامك صحيح.. فهي مهنة غير تقليدية.. تعتمد علي العمل بحب للمهنة نفسها والتضحية في سبيل ذلك بالكثير. فأنا مثلا رغم تخرجي في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 84 الا انني عشقت مهنة السياحة، ووجدت نفسي فيها.. كنت اتدرب في الفنادق اثناء دراستي الجامعية، وكانت نصيحة والدي لي ان احاول اكتساب الخبرة العملية.. لذلك بدأت السلم من اوله وكان اول تدريب لي وأنا طالب عام 1981 هو عملي كمساعد جرسون!
 وما هي مفاتيح النجاح والصعود في هذه المهنة؟
لابد ان يطور الفندقي من نفسه باستمرار.. يتعلم لغات مثلا.. يحصل علي 'كورسات' ودورات تدريبية فأنا حصلت بعد تخرجي في الكلية علي عدة دبلومات بالمراسلة من منظمة اسمها 'امريكان أوتيل آند موتيل' بالاضافة الي الممارسة التي تعلم الانسان الكثير وتضيف اليه خبرات كل يوم.
الطموح له ثمن !
 وأين عملت منذ تخرجك حتي الآن؟
عملت في الفنادق الكبيرة في القاهرة كموظف استقبال.. وعندما وجدت ان العمل في القاهرة له سقف، والوظائف الادارية العليا سيكون من الصعب الحصول عليها في القاهرة.. كان القرارالصعب بالتضحية فسافرت إلي شرم الشيخ حيث عملت ثلاث سنوات.. ثم الغردقة كمدير عام للفندق.
 وما هي التضحيات التي اضطررت اليها؟
يكفي ان اترك اسرتي واولادي في القاهرة.. وأراهم فقط كل 23 يوما، واحيانا تحت ضغط الشغل تمر شهور دون ان استطيع النزول الي مصر. لكن الطموح دائما له ثمن!
 كمدير لفندق كبير في الغردقة.. هل أنت راض عن السياحة في مصر؟
بصراحة.. لا.. لأننا نقدر أن نحقق مكاسب اعلي بكثير مما نحققه الآن.. لكن للاسف ليس لدينا تخطيط مدروس في مجال السياحة. ولو كان هناك تخطيط لارتفع عدد السائحين القادمين الي مصر عشرات الاضعاف.. فهل يعقل ان بلدا مثل فرنسا تستقبل 50 مليون سائح في السنة.. ومصر تسقبل 6 أو 7 ملايين فقط.
 وما اسباب ذلك؟
الشغل في السياحة يجب ان يتم بعقلية وطريقة تفكير مختلفة لأننا نتعامل مع زبائن من ثقافات مختلفة. والمشكلة هي دخول بعض المستثمرين في مجال السياحة لا يعرفون فن الادارة كمشروع ذي طبيعة خاصة.
 أين المشروعات الخدمية؟
كذلك فليس هناك تكامل في الرؤية لتنمية صناعة السياحة. بل تجدين الكل يبني فنادق!! لماذا لا يبني مستشفي مثلا لخدمة عشرات الآلاف الذين يقيمون هنا.. ويتمنون ان يحضروا اسرهم واولادهم.. ويحققوا استقرارهم الشخصي ايضا. وهذا يعود إيجابيا علي صالح العمل. لماذا لا تبني مدرسة أو مداس.. لماذا لاتقام مشروعات خدمية؟
 لكن صناعة السياحة في نمو مستمر.. أليس كذلك؟
طبعا.. وحصل نمو مطرد في فترة زمنية وجيزة خلال ال 10 الي 15 سنة الماضية وهذا خلق فرص عمل للشباب الصغير.. لكن في اعتقادي ان احنا قمنا ب 10 % من المهمة وقدامنا 90 % لازم نقوم به. فمصر تملك موارد سياحية ومقومات نجاح تستحق ان يكون دخلها من السياحة اكثر من ذلك بكثير.. وكلما تحقق ذلك.. كلما حدثت تنمية شاملة في المجتمع.. فالمعروف ان كل مليون سائح يخلقون 300 ألف فرصة عمل.
التدريب مهم جدا
 والتقيت بالشاب محمد مرجان علي 25 سنة مشرف الاستقبال بأحد الفنادق من مركز زفتي محافظة الغربية الضبابشة.. بكالوريوس سياحة وفنادق قسم ادارة فنادق جامعة حلوان عام 2000 بتقدير جيد جدا.
 سألته: ما الذي دفعك لاختيار هذا المجال؟
قال : اخترت العمل في السياحة لانها العمود الرئيسي لاقتصاد مصر.. وبالتالي اقدر احقق ذاتي فيها ويكون عندي طموح.. علشان كده كنت بأبقي حريص علي التدريب اثناءالدراسة وادور علي تدريبات اضافية غير المقررة علشان اكتسب خبرة في كل تفاصيل العمل. واهم حاجة ان الواحد يحب شغله يعني مثلا انا منزلتش اجازة من 4 شهور ومش زعلان.. لان ده شغل، ولازم ندي لشغلنا علشان يديلنا.
 وإحساسك إيه لما بيحصل عمل ارهابي في مصر؟
بأحزن.. وبأشعر برهبة وخوف.. دي مهنة فيه ناس كتير بتاكل منها عيش.
 وحلمك يا محمد؟
حلمي أن أوصل لدرجة مدير عام فندق.
أرزاق الناس
 أما ابراهيم حسن حسين 34 سنة فهو من طنطا، متزوج وله ابن عمره سنة ونصف.. وهو المشرف علي خدمة الغرف بأحد فنادق الغردقة.
قال لي: الغربة صعبة شوية.. لكنها شغلانة مجزية ماديا.. ونفسي يكون فيه سكن للعاملين بأسعار مناسبة لأن ايجار الشقة الاستوديو يصل الي 600 واحيانا 800 جنيه.
 ورأيك في تجربة العمل في السياحة؟
رأيي انها عمود فقري لارزاق الناس في بلدنا.. السياحة مش الفنادق بس.. دي بتشغل السوبر ماركت والصيادين وبتوع الخضار ومصانع الاغذية والأخشاب.. يعني كل الصناعات مرتبطة بالسياحة.
 والتقيت ب عماد عبدالمجيد الجرف 46 سنة مساعد مدير الاغذية والمشروبات بأحد فنادق الغردقة سألته : ما سر حبك لهذا المجال؟
قال استهواني العمل في مجال السياحة منذ كنت طالبا في كلية التجارة الخارجية، كنت اسافر الي انجلترا في الاجازات احببت هذا المجال لأنه فرصة للتعامل مع جنسيات وثقافات اخري.
ودائما مطلوب منك تطوير ذاتك، وزيادة معلوماتك وتعلم مزيد من اللغات.. ورأيي ان هذه المهنة تؤثر علي الانسان في طريقة تعامله مع الناس، وتفيده علي المستوي الشخصي فيستطيع ان يقيم علاقات ممتازة، مع الناس وان يكون انسانا أكثر تحضرا وثقافة ووعيا.
دخلنا يتأثر
 وتأثير انخفاض العائد من السياحة.. هل يؤثر عليكم كعاملين في هذه المهنة؟
بالطبع.. فالمعروف انه: فيه جست 'يقصد زبون' فيه دخل. مفيش جست.. مفيش دخل!
وده لأن دخلنا مش المرتب بس.. لكن ال 12 % خدمة ودي بتعادل قيمة المرتب تقريبا.. ولما بيحصل اي حاجة زي دي لا قدر الله.. الفنادق بتفكر في تخفيض الانفاق وده كله سينعكس بشكل مباشر وقوي علينا.. ولما البلد تظهر بصورة كويسة والتسويق الخارجي ينشط ده خير لنا كلنا.. فدخل السياحة لا يقل عن دخل مصر من البترول وقناة السويس.
المحافظ .. والأرقام
 كان لابد ان التقي باللواء سعد أبوريدة محافظ البحر الأحمر وأن اتعرف منه علي أحوال الغردقة.. أهلها.. شباب العاملين فيها.. نسبة عدد السائحين القادمين اليها.. وهل تأثرت بازدهار شرم الشيخ سياحيا سلبا أم ايجابا.. ومستقبل المحافظة الواعدة كما يراه.. ويخطط له..ولأنه رجل يحب الارقام ويعتبرها الخطوط الواضحة لتحديد صورة الحاضر.. والتخطيط للمستقبل فقد جاءت اجاباته واضحة.. دالة.. وتعكس الواقع.
 سألت اللواء سعد أبوريدة بصراحة.. هل تأثرت الغردقة بالشهرة العالمية التي تحظي بها شرم الشيخ حاليا.. وبالتالي تدفق السائحون عليها من جميع انحاء العالم.. طوال أشهر السنة.؟
ابتسم المحافظ بثقة.. وامسك بأوراق تحمل أرقاما واحصاءات عديدة.. وبدأ يرد علي سؤالي.. استطيع ان اقول لك بكل صراحة لا لم يقل عدد السائحين القادمين الي الغردقة والدليل علي ذلك تلك الارقام في عام 1997 كان عندي 11.800 غرفة فندقية و6 آلاف تحت الانشاء والآن في عام 2005 أصبح عندي 42 ألفاغرفة و34 ألف تحت الانشاء.. هذه الطفرة في التنمية السياحية ما كانت تتم الا بتوفير البنية الاساسية وتطويرها.
واستطيع ان اقول لك ان هناك نسبة زيادة في عدد الليالي السياحية عن الثماني سنوات الماضية من 13 الي 16 % فالبحر الأحمر نوعية مختلفة عن باقي المقاصد السياحية فهناك بخلاف الفنادق.. رحلات الغطس والسفاري والسنوركل فالسياحة في الغردقة منتعشة للغاية.. والفنادق نسبة اشغالها عالية طوال السنة.
 هذا يسعدنا جميعا كمصريين.. وماذا عن العاملين في الغردقة.. ما هي أكثر المحافظات المصرية تصديرا للعمالة هنا؟
لدينا حوالي من 120 الي 130 الفا يعملون في مجال السياحة من ال 26 محافظة.
الزيادة مستمرة
 لكن الفكرة عن العمال هنا انها معظمها من محافظات الصعيد؟
كان ده صحيح لغاية سنة 2000 لكن لما زاد الطلب علي العمالة في السياحة، وكان المطلوب عمالة مدربة ونوعية اخري من الثقافة والخبرة الفندقية بدأ توافد العمالة علينا وازداد جدا عدد القادمين من محافظات الوجه البحري.. فعندنا في فندق واحد 36 فردا من الدقهلية، وعندنا ناس من السلوم، ومن اسكندرية. وكل ما يزداد عدد الفنادق يزداد الطلب وفرص العمل.. يعني يكفي ان تعرفي انه من يناير 2005 حتي مايو 2005 زاد عدد الغرف الفندقية 1500 غرفة ونتوقع ان تصل الزيادة الي 4 آلاف غرفة قبل نهاية 2005 اما نسبة الاشغال فقد كانت 82 % خلال عام 2004 والمتوقع ان تصل الي 86 % من شهر يونيو القادم.
مازلت احلم بالكثير
 واسأل اللواء سعد أبوريدة.. محافظ البحر الاحمر عن الحلم الذي يراوده.. ويتمني ان يحققه في هذه المحافظة الواعدة؟
يبتسم ويقول عندي عدة احلام.. اولها تطوير المطار لانه يعاني من الزحام الشديد احيانا.. وحلمي الثاني ان يتم تنفيذ مشروع استراتيجي لربط الغردقة ب 'سفاجا' ب 'الاقصر' بخط سكة حديد متطور.. والحقيقة ان وزير النقل د. عصام شرف متحمس لهذا المشروع. اما الحلم الثالث فهو ان اري كل الاراضي الساحلية الواسعة داخل محافظة البحر الاحمر وقد دبت فيها يد العمار والاستثمار.. فلدينا الآن سفاجا والقصير والجونا.. كما لدينا مشروعات ضخمة في مرسي علم.. والمستقبل يحمل الكثير من الخير من خلال استغلال تلك المناطق الفريدة علي مستوي العالم سياحيا.
.. واترك محافظ البحر الأحمر.. لأحزم حقيبتي بسرعة بعد ان احتلني الفضول لمشاهدة مدن أخري ترتفع علي أرض مصر.. أرض الخير والنماء.. وهنا انتهت رحلتي الي مدينة الغردقة.. لتبدأ الرحلة الثانية الي مدينة مرسي علم.. وهي موضوع الحلقة القادمة ان شاء الله.
|
|
|
 |
|
|
|