مشكلة البطالة.. محلك سر !
الخبراء: المشروعات الصغيرة هي الحل.. والتدريب التحويلي والتعيينات الحكومية.. مسكنات!
أعلن الدكتور عثمان محمد عثمان وزير التخطيط مؤخرا انخفاض معدل البطالة بشكل طفيف خلال العام الماضي لتصل إلي 10.5 % مقابل 10.8 % في العام قبل الماضي!!
وبالطبع فإن هذا الانخفاض المحدود جدا يعيد فتح هذا الملف الشائك، ويرصد قصور أداء الحكومة في مكافحة البطالة، برغم التصريحات البراقة والمانشيتات الحمراء والحلول غير التقليدية إلي آخر العبارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع!!
الشباب المصري يصرخ للحكومة:
زمان كنا نشتري الجرائد للبحث عن فرصة عمل.. ولا نجدها.. أما الآن فلم يعد لدينا القدرة علي شراء الجرائد!!
بداية فإن من أخطر المشكلات التي تهدد مواجهة مشكلة البطالة تضارب الأرقام وعدم وجود قاعدة بيانات متكاملة عن المشكلة، حيث أن اعداد العاطلين تختلف من جهة إلي أخري، ونسبة العاطلين إلي قوة العمل تتفاوت حسب كل إحصاء، ومن أسباب هذا التفاوت الاختلاف حول تعريف الشخص العاطل، وعدم ادخال بعض التقييمات للبطالة الجزئية التي تعمل يوما وتتعطل أياما.
ويمكن التوصل إلي نتائج أعلي من ذلك بكثير من خلال بيانات حكومية رسمية أيضا. فقد أكدت اللجنة الوزارية العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء 'السابق' عام 2001 أنه تقدم 4.40 مليون شخص بطلبات لشغل 170 ألف وظيفة كان الشرط الأول لشغلها أن يكون المتقدم عاطلا، وقد استبعدت اللجنة 53.5 % من المتقدمين لأنهم غير عاطلون، بحيث يصبح المتبقي ما يقرب من 2.05 مليون عاطل كلهم عاطلين، وهو رقم يفوق التعداد الرسمي بأكثر من 500 ألف عن عدد العاطلين في عام 2001 نفسه، كما أن معدل البطالة وفقا لهذا العدد يرتفع إلي 10.05 % وفقا لقوة العمل بدلا من 7.6 % وهي النسبة الحكومية المعلنة، آنذاك!!
وفي العام المالي 2002/2003 بلغت قوة العمل التي تتكون ممن هم في سن العمل ولديهم القدرة علي العمل ويرغبون فيه طبقا للبيانات الرسمية 20.2 مليون نسمة منهم 18.2 مليون نسمة يعملون بالفعل، و2 مليون عاطل عن العمل بما يعني أن المعدل ارتفع ليصل إلي 9.9 % ، بينما تشير بيانات البنك الدولي إلي أن قوة العمل في مصر 25.2 مليون نسمة في عام 2001 بما يزيد بمقدار 5 ملايين نسمة، وإذا استعنا بعدد السكان في سن العمل '15 حتي 64 عاما' فقد بغلوا عام 2001 ما يقرب من 39.8 مليون نسمة، وبخصم عدد العاملين فعليا وفقا للبنك الدولي، تكون نسبة البطالة في العام نفسه 29 % باجمالي 7.3 مليون عاطل!!
وإذا استبعدنا جميع البيانات عدا الأرقام الحكومية الرسمية فسنصل إلي نفس النتيجة وهي الارتفاع المستمر في معدلات البطالة التي كانت 7.6 % عام 2001 ثم 9 % عام 2002 ارتفعت لتصل إلي 9.9 % عام 2003 وأخيرا 10.05 حاليا حسب تصريحات وزير التخطيط.
بطالة 'مثقفة'!!
وبالتدقيق في فئات العاطلين، نكتشف أن قوة العمل في مصر يغلب عليها المستوي التعليمي المنخفض، حيث يشكل الأميون وفقا لتعداد 1996 نحو 35.6 % بينما نسبة من يعرفون القراءة والكتابة فقط 18.9 % ومن يحملون الشهادة الابتدائية 2.6 % ومن يحملون المؤهلات الأقل من المتوسطة 3.4 % وخريجي المعاهد المتوسطة 27.7 % أي 60.5 % حصلوا علي مستوي تعليمي منخفض، مقابل 4.2 % من حملة المعاهد فوق المتوسطة و12.2 % من خريجي الجامعات و.4 % من حملة الماجستير والدكتوراه.
والمحصلة أن قوة العمل في مصر تعاني من مستوي مهاري وتدريبي منخفض للغاية، ولا يتوقع أن تكون الصورة قد تحسنت بصورة جذرية، منذ التعداد السابق حتي الآن!!
وعلي العكس تماما، نجد أن البطالة تتركز أساسا في الشباب المتعلمين، حيث تزيد الخسارة من تعطل رأس مال بشري ثم صرف الملايين لتهيئته لسوق العمل ثم تخرج ليجد حلم الوظيفة قد تبخر سواء كانت حكومية أو قطاعا خاصا أو حتي في العمل الحر..وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء عام 1999 أن 99 % من العاطلين هم شباب في سن العمل '15 حتي 40عاما' وعددهم 1.48 مليون عاطل!! يشكل المتعلمون منهم 87 % تقريبا من العاطلين!!
أبعاد اجتماعية
وبعيدا عن التضارب في البيانات والمعدلات، فإن البطالة قضية اقتصادية لها أبعاد اجتماعية وسياسية خطيرة، لذلك لم يكن غريبا أن تستمر ظاهرة الهجرة غير الشرعية لدول أوروبا عبر البحر!!
علي جانب آخر تشير دراسات أمنية أن نسبة الانتحار بين الشباب آخذه في الارتفاع بسبب اليأس والاحباط والفشل في العثور علي وظيفة أو الزواج أو الحصول علي شقة .
حلول استراتيجية
في البداية يحدد الدكتور نادر فرجاني الباحث الاقتصادي بمركز المشكاة للأبحاث المفهوم الواسع لكلمة البطالة، فهي تعني من منظور شامل القصور في تحقيق الغايات من العمل في المجتمعات البشرية، وبما أن الغايات من العمل متعددة، فتتعدد معها أشكال البطالة، التي يعتبر أشهرها البطالة السافرة التي تعني وجود أفراد قادرين علي العمل وراغبين فيه ولكنهم لا يجدون عملا، وللأسف يقتصر الاهتمام في حالات كثيرة علي هذا النوع فقط دون الاهتمام ببقية صور البطالة.
ويستطرد الباحث الاقتصادي شارحا أن مكافحة البطالة تتطلب تغييرات مؤسسية بعيدة المدي تشمل زيادة كفاءة سوق العمل وتدعيم التنافسية وتقوية مؤسسات المجتمع المدني، فضلا عن زيادة معدلات الادخار والاستثمار وتوجيه العمل المتاح إلي نشاطات اقتصادية كثيفة العمالة، وزيادة الحوافز المادية والمعنوية لتوجيه العاطلين إلي العمل اليدوي المنتج، مع انشاء نظام فعال للتدريب التعويضي لتأهيل العاطلين لفرص العمل التي لا تتناسب مع قدراتهم أو تخصصاتهم، كخطوة علاجية مع التركيز مستقبلا علي ربط التعليم بسوق العمل.
ويختتم د. فرجاني حديثه بأن الانخفاض الطفيف الذي ربما لا يذكر لم يكن مفاجأة للباحثين والمتخصصين في ظل قصور الخطط الحكومية في معالجة البطالة، وتركيز اهتمامها علي تعيين مئات الآلاف في هيكلها الاداري فقط وترك الغالبية العظمي من العاطلين يقاتلون من أجل لقمة العيش.. ولا يجدونها!!
المشروعات الصغيرة
تلتقط الدكتورة عالية المهدي وكيلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وأستاذة الاقتصاد بالكلية. طرف الحديث وتشير إلي أن معدل البطالة مايزال مرتفعا للغاية بالرغم من الانخفاض الطفيف الذي أعلنه وزير التخطيط، خاصة أن المتعطلين عن العمل ليس لديهم إعانة بطالة .
وتضيف د. عالية أن الأمل كان معقودا علي الحكومة الجديدة التي تضم مجموعة متجانسة تتبني سياسات واضحة وتعمل في اتجاه واضح نحو دفع الاستثمار وفتح الأبواب أمام المستثمرين الجادين، وبرغم ذلك فإن الانخفاض البسيط جدا في معدل البطالة يمثل قدرا من الاخفاق ولا يتناسب اطلاقا مع التصريحات المتفائلة الكثيرة للمسئولين عن تشغيل الشباب، حيث نحتاج سنويا 800 ألف فرصة عمل.
وتعتقد د. عالية أن هناك معوقات عديدة في مجال التشغيل أهمها البيانات المتضاربة حول أعداد العاطلين وتقسيمهم العمري والتعليمي، وبرغم تشجيع جميع القطاعات لبذل أقصي الجهد لحل هذه المشكلة الخطيرة وبرغم سعي الحكومة لمكافحتها بالقرارات المختلفة، إلا أننا نصطدم عند التطبيق بفداحة المشكلة والخلل التطبيقي للقرارات والخطط الحكومية.
وبحماس شديد تنحاز د. عالية للمشروعات الصغيرة كحل سحري للمشكلة بشرط دعمها وازالة المعوقات التي تحول بينها وبين أداء دورها في الاضافة الحقيقية للناتج الاجمالي للاقتصاد الوطني وتشغيل الشباب، لذلك فمن الضروري أن تزال كافة القيود الادارية والاجراءات البيروقراطية التي تؤدي إلي وأد المشروعات الصغيرة في مهدها.
جذب الاستثمارات
من جانبها تلقي الدكتورة سميحة فوزي الأستاذ بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية الضوء علي العلاقة بين سياسات الاستثمار والبطالة، حيث تعرض بداية تجارب الدول المختلفة التي تؤكد أنه كلما اتجهت سياسات الاستثمار التي تتبعها الحكومة نحو خلق مناخ مشجع واعطاء حوافز جيدة، كما تتبني تشجيع الانتاج الموجه للتصدير، واستخدام أساليب انتاجية كثيفة العمالة، وكلما اهتمت بدعم المشروعات الصغيرة وتنميتها اتجهت معدلات البطالة نحو الانخفاض وارتفعت كفاءة التشغيل، والعكس صحيح.
وتبدي د. سميحة دهشتها من النتيجة التي توصلت إليها من احدي دراساتها عن الاستثمار والبطالة في مصر، فالبرغم من انخفاض مستوي الاستثمار، إلا أن معدلات البطالة تنخفض أيضا، وهو ما يدل بوضوح علي أن البيانات الرسمية حول نسبة البطالة غير دقيقة.
وتقترح د. سميحة التطرق إلي الحلول غير التقليدية لخفض نسبة البطالة مثل ربط نظام الاعفاءات للمشروعات بمستوي التشغيل فيها ودعم المشروعات الصغيرة والاهتمام ببرامج التدريب والتطوير لرفع كفاءة العامل المصري، مع العمل في نفس الوقت والاهتمام بالنظام التعاوني وتكامل مجهودات الحكومة مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.
غياب المعلومات
ويري الدكتور ايهاب الدسوقي أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الادارية أن السبب الرئيسي لمحدودية النجاح الحكومي في التعامل مع مشكلة البطالة يعود إلي تحمل الحكومة وحدها مسئولية توفير فرص العمل للعاطلين في الجهات الحكومية أو المؤسسات التابعة لها، وهي مهمة لا تستطيع أية حكومة في أي دولة أن تحققها. فمسئولية الدولة من وجهة نظره تتركز في تهيئة مناخ الاستثمار المحلي والأجنبي وجذب المزيد من رؤوس الأموال من أجل اقامة الشركات والمشروعات والمصانع التي تنتج فرص عمل حقيقية للعاطلين، لذلك فإن التحدي الحقيقي للحكومة ليس زيادة عدد الخريجين الذين تقوم بتعيينهم في الجهاز الحكومي، ولكن العمل الجاد علي زيادة الاستثمارات بدرجة كافية سواء كانت محلية أو أجنبية.
ويشير د. الدسوقي أيضا إلي غياب المعلومات والبيانات الدقيقة كعائق قوي في مكافحة البطالة، حيث أن التغلب علي أي مشكلة يستوجب معرفة كل تفاصيلها الدقيقة لمنع التضارب في اتخاذ القرار.
ويعتقد د. الدسوقي أن أحد الحلول قصيرة الأجل لمشكلة البطالة تتمثل في التدريب التحويلي، حيث أن هناك فائضا كبيرا في بعض القطاعات يقابله عجز في قطاعات أخري، لذلك فمن الممكن أن يتم تدريب الشباب لممارسة أعمال تعاني من نقص في التشغيل مثل القطاعات الخدمية فمثلا استخراج رخصة سيارة أو شهادة ميلاد أو بطاقة جديدة تحتاج وقتا طويلا وطوابير طويلة لقلة عدد الموظفين أو الشبابيك التي يتعامل معها المواطن، فما المانع من تزويد هذه القطاعات بعدد من الشباب الذين لا يجدون عملا في مجالات تخصصهم، فهذا الأمر سيؤدي أيضا إلي تحسين الخدمات وذلك ليس ترفا وإنما له مردود اقتصادي مباشر بتسهيل الاجراءات وتحسين مناخ الاستثمار ورفع انتاجية الأفراد.
تطوير التعليم
أما الدكتور أحمد جلال المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية فيري أن أحد الأسباب القوية لتفشي البطالة بين الشباب هو غياب الرؤية العملية في مناهج التعليم، حيث أن المناهج التي يتم تدريسها في المدارس والجامعات لاعلاقة لها باحتياجات سوق العمل.
ويشير د. جلال إلي أنه بالرغم من تخصيص الدولة لميزانيات ضخمة لتطوير التعليم إلا أن الفجوة بين التعليم وبين سوق العمل لم تضق بل انها تزداد اتساعا يوما بعد يوم بسبب التطور السريع علميا وتكنولوجيا علي مستوي العالم وبالتالي ضعف القدرات التنافسية للشباب المصري.
ويضرب الباحث الاقتصادي مثالا للخلل التعليمي في مصر بأن هناك العديد من المجالات التي لا يحتاجها سوق العمل توفرها الجامعات بأعداد كبيرة، وبالعكس فإن هناك تخصصات معينة يحتاجها سوق العمل بشدة، ولكن الجامعات لا توفر خريجين في هذه المجالات كما ولاكيفا، فلا الأعداد مناسبة لحاجة العمل، ولا هؤلاء الخريجون حصلوا علي جرعات تدريبية مناسبة ولا يملكون مهارات هذا المجال. وبالتالي فلابد من علاج هذا الخلل من خلال توفير التخصصات المطلوبة لسوق العمل، والاهتمام في المدارس والجامعات بالجانب العملي وعدم قصر التعليم علي الأطر النظرية.