معاملات شرعية منسية نحن في حاجة إليها
علماء الدين: هذه المعاملات تحل مشاكل كثيرة
كتبت ألفت الخشاب:
 | توصيل جيرانك واصدقائك معك في سيارتك نوع من بذل الفضل وحل لمشكلة الموصلات |
|
تقوم العلاقات بين الناس في شتي المجالات علي مبدأ العدل والاحسان كما جاء في قوله تعالي: 'إن الله يأمر بالعدل والاحسان' فالعدل أساس العلاقات التي يقدم فيها كل طرف عوضا مقابل ما يقدمه له الطرف الآخر مثل السلعة والثمن في البيع والعمل والأجر في التجارة والاحسان هو أساس العلاقات التي قوامها التبرعات.
ولكن واقع الأمور يؤكد ان هناك تقصيرا من جانب الناس في الطرف الثاني وهو الاحسان بدليل اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بالرغم من زيادة الثروة وكبر حجم الانتاج وتنوعه ووفرة الموارد.
من هذا الفهم قام مركز صالح كامل للاقتصاد الاسلامي بعقد حلقة نقاشية ضمن حلقاته التي بلغت حتي الآن 34 سجل 12 منها رسائل للماجستير والدكتوراة وفي هذه الأيام الكريمة التي تحث كل مسلم علي الاحسان والبر. وأسمتها 'معاملات شرعية منسية' والحاجة إليها في الوقت المعاصر ولغرابة عنوان الحلقة كان أول تساؤل أجاب عليه الدكتور محمد عبدالحليم عمر مدير المركز عن أسباب هذه التسمية، حيث قال: ان الشريعة الاسلامية غنية بالعديد من الأساليب التي يمكن أن تفيد في مجال الاحسان بخلاف الزكاة وسميناها معاملات منسية لأنه رغم النص عليها صراحة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وذكر أحكامها في كتب الفقه إلا أن حظها من البحث قليل، . وهذه الأساليب المنسية كثيرة أخذنا منها علي سبيل المثال.. الابضاع، والمنيحة وبذل الفضل.
الاتجار للغير تبرعا
من أهم هذه المعاملات المنسية التي عالجتها الحلقة النقاشية ونحتاج إليها في عصرنا الحاضر.. الابضاع، وهو كما يقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر بعث المال مع من يتجر فيه تبرعا والربح كله لرب المال.. والابضاع يدل في باب التعاون المأمور به في قوله تعالي: 'وتعاونوا علي البر والتقوي' ويدخل في قوله صلي الله عليه وسلم: 'والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه' وفي الحديث الذي رواه أبو ذر حينما سأل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أي العمل أفضل؟ جاء فيه ما يدل صراحة علي أفضلية الابضاع حيث قال: 'ان تعين صانعا أو تصنع لأخرق' والحكمة من مشروعية الابضاع كما يقول الدكتور محمد عبدالحليم ان الحاجة تدعو إليه لأن رب المال قد قد لا يحسن التجارة، وقد يحسن ولا يتفرغ فيوكل غيره عنه في التجارة بماله تبرعا.
وقد أثبتت المجالات الحاجة الشديدة للابضاع. فالمشروعات الصغيرة علي سبيل المثال تمثل 90 % من عدد المشروعات في مصر وتسهم بحوالي 66 % في الناتج القومي وتستوعب 70 % من العمالة تعاني أشد المعاناة من عقبة التسويق لمنتجاتها خاصة المشروعات الحرفية منها والمتناهية الصغر، لأن أصحابها في الغالب من الفقراء والذين لا يستطيعون النفاذ إلي الأسواق، يقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر هذه المشروعات في حاجة لاستخدام أسلوب الابضاع عن طريق الاتفاق مع الغرف التجارية في كل مدينة لتنظيم العملية مع المتاجر الكبري والمتوسطة بتسويق بضاعة المشروعات الصغيرة عن طريق تخصيص بعض نوافذ العرض لها دون مقابل.
أموال اليتامي
باب ثان لاستخدام الابضاع وهو استثمار أموال اليتامي عن طريق تبرع بعض رجال الأعمال باستثمارها مع أموالهم وصرف الربح لليتامي، وأيضا استثمار أموال الخيرات وتتمثل في نوعين، الأول أموال الزكاة التي تحصلها الجمعيات الخيرية ثم تقوم بصرفها للفقراء في صورة رواتب شهرية والنوع الثاني ما يقوم به بعض المسلمين بتخصيص عائد مبالغ يتم استثمارها بصرف العائد للفقراء حيث يمكن في الحالتين الاتفاق مع بنك اسلامي علي ذلك.
الاستفادة بالناتج
والمعاملة الثانية التي تناولتها الحلقة النقاشية هي 'المنيحة' وهي أيضا تدخل في باب الاحسان المأمور به شرعا وهي تعني ما يعطي ليتناول ما يتولد منه كالتمر واللبن ونحو ذلك ثم يرد، وفي ذلك يقول الرسول صلي الله عليه وسلم 'أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما يعمل رجل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة'.
ويري الدكتور محمد عبدالحليم عمر أن أهم المجالات المعاصرة لتطبيق المنيحة هي قضية الاسكان حيث يوجد آلاف الطلاب الجامعيين الفقراء المغتربين في المدن الكبري من المصريين ومن الدول الاسلامية الذين يدرسون في الجامعات المصرية وخاصة جامعة الأزهر، ويعانون أشد العناء من السكن في ظل الايجارات المرتفعة وتعجز امكانيات المدن الجامعية عن استيعابهم، فمن الممكن عمل ترتيبات خاصة بين جامعاتهم وبين أصحاب الشقق الخالية لمنحهم السكن في هذه الشقق خلال فترة الدراسة علي أن يتحمل الطلاب أو الجامعة تكاليف المياه والكهرباء والصيانة الدورية وفرشها بالأثاث.
بذل الفضل
والمعاملة الثالثة هي بذل الفضل، والفضل في اللغة هو البقية من الشيء أو الزيادة وفي الاصطلاح ما فضل عن الأهل من مال ونحوه، والبذل من بذله أعطاه وأباحه عن طيب نفس، والدليل علي مشروعيته انه من باب الاحسان ويدخل في قوله تعالي: 'ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو' وفي قوله صلي الله عليه وسلم: 'من كان معه فضل ظهر فليعد به علي من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به علي من لا زاد له' قال الراوي: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتي رأينا انه لا حق لأحد منا في فضل.
يقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر، بذل الفضل من باب الاحسان والتبرع إلا أنه يكون واجبا في حالة الاضطرار، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم نهي عن منع فضل الماء في الحديث الشريف 'لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ'.
مشكلة المواصلات
ومن أهم تطبيقات معاملة بذل الفضل في الوقت المعاصر هي مشكلة الانتقال.. خاصة في المدن الكبري حيث يعاني الناس من تكاليف الانتقال ومن الزحام الشديد علي الرغم من أن أغلب السيارات الخاصة يركبها شخص واحد، فمن الممكن أن يتم الاتفاق بين جارين أو متقاربين في السكن والعمل أو أكثر من شخص، علي أن يركبا معا في سيارة أحدهما بالتناوب كل يوم أو كل أسبوع، أو أن يسمح صاحب السيارة بركوب بعض ممن ليست لديهم سيارة من جيرانه في السكن والعمل تفضلا منه. ومن الجدير بالذكر ان الركوب بالتناوب في سيارة واحدة مطبق في بعض الدول مثل الكويت، و في أندونيسيا لا يسمح بمرور السيارات داخل جاكرتا ما لم تكن محملة بعدد ثلاثة أفراد علي الأقل.
فائض الطعام
مجال ثان يمكن أن تسهم فيه معاملة بذل الفضل وهو مشكلة الجوع فهناك أغنياء يعانون من التخمة وأمراضها وتلقي الكثير من كميات الطعام الفائض منهم في صناديق القمامة.. فيمكن تجميع هذا الطعام الفائض من المنازل وخاصة اللحوم والفواكة ومن الحفلات خاصة في الفنادق الكبري بواسطة الجمعيات الخيرية وأيضا ينطبق ذلك علي الملابس وتوفير العدد والآلات لصغار الحرفيين المتبقية أو الزائدة عن حاجة الورش الكبيرة.
أعلنوا عنها
وطالب الدكتور شوقي دنيا أستاذ الاقتصاد الاسلامي المسلمين أن يدركوا أن المعاملات التي يقومون بها من اطعام وتبرعات.. هي من صميم تعاليم الدين الاسلامي قائلا: نحن في حاجة إلي أن نعلن أننا مسلمين وأن هذه التعاليم من الاسلام وليست مجرد فعل خير ثانيا.. نحن في حاجة إلي آليات لتفعيل هذه المعاملات
خير البداية
وطالب الباحث مصطفي دسوقي بأن تكون خير البداية لتطبيق هذه المعاملات في جامعة الأزهر، بأن تصدر كل كلية منشورا يطالب الأساتذة أو من لديه فائض من سكن أو ملابس ببذله للطلاب.
|
|