بالمنطق
مرض اجتماعي مزدوج!
بقلم :محمد عبدالمنعم
دائماما يزهو المصريون ولنا كل الحق في ذلك باننا سبقنا العالم بآلاف السنين في المضمار الحضاري، وبأننا علي مدي تاريخ طويل تعرضنا للعديد من الغزوات والاحتلال والمؤامرات الدولية، ومع ذلك فان كل هذه النكبات لم تستطع ان تنال من صلابتنا وكياننا القومي وكنا ننجح في كل مرة بطريقة أو أخري في امتصاص الاخطار والتهديدات وهزيمة العدو الخارجي! في هذا السياق التاريخي الطويل كانت الاخطار دائما خارجية، أما الآن، وللمفارقة في ظل حريات غير مسبوقة، فانها بدأت تنبع من الداخل في شكل ظواهر عديدة قد يكون اخطرها قاطبة هذا العارض أو المرض الاجتماعي الذي يتجسد في صورة عدم احترام للقيم والمباديء التي نشأنا عليها والتي حافظت علي كياننا لآلاف السنين، ويأتي في مقدمة هذه القيم احترام الصغار للكبار علي كل المستويات.. احترام يبدأ في البيت ثم يمتد إلي الشارع والمدرسة والنادي ومكان العمل والعلاقة مع المسئولين علي جميع المستويات.. هذا الاحترام بدأ يتآكل تدريجيا حتي نقطة العدم، وتشعب أخيرا في صورة تمرد الصغار علي الكبار فيما هو عرض جانبي كفيل بتبديد أحد المقومات الاساسية لتماسك وانضباط وحشد قوي وإمكانات أي مجتمع إنساني عصري!
انه عرض أو مرض مزدوج يعكس أيضا، بجانب انهيار القيم والمباديء، احدي السلبيات الخطيرة لثقافة الزحام التي يحاول خلالها الفرد أن يجد نفسه، وان يجد لنفسه مكانا ولو علي حساب الجميع! وخلال هذا السباق الرخيص تتبدد قيم ومباديء الدنيا بأكملها وينقلب الهرم الاجتماعي بشكل مخيف، ويتحول التنافس إلي تزاحم يتسيد خلاله أصحاب الحناجر العالية، وتصبح 'البلطجة' ممارسة مشروعة، وتتحول الكفاءة لتصبح دليلا علي سذاجة صاحبها وبلاهته، اما 'الواجب' و'الشرف' و'الارتقاء' و'الاخلاص' و'العرفان'.. وكل القيم الإنسانية النبيلة، فانها طبقا لمفردات مثل هذه المرحلة الزمنية التعسة يصفونها بانها نوع من التخلف، وان أصحابها ينتمون إلي كوكب آخر غير هذا الذي يزدحم بنا جميعا!
|
|