|
|
|
|
55 | السنة - | 16947 | ه - العدد | 1427 | رجب | من | 21 | - م | 2006 | أغسطس | من | 15 | الثلاثاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
2:18:07 AM |
 |
الساعة - |
 |
8/15/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
توقفت المعارك في لبنان في الموعد المقرر لها تماما، الثامنة من صباح الأمس بتوقيت القاهرة الخامسة بتوقيت جرينتش، وفقا لما جاء في قرار مجلس الأمن رقم '1701' الذي خرج إلي النور بعد طول معاناة، وبشكل غير متوازن، ولا محايد، ولا منصف، ولكنه في كل الأحوال أفضل من استمرار العدوان، واستمرار سقوط الضحايا الأبرياء من الشعب اللبناني الشقيق.
وانتهت الاشتباكات بين القوات الإسرائيلية المعتدية، ورجال المقاومة اللبنانية في الجنوب، ايذانا بانتهاء صورة من صور الصراع العربي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، لتفسح المجال لصورة أخري مغايرة، وإن كانت متصلة في السياق نفسه،...، الأولي كانت تصادما بالبندقية والمدفع والطائرة والصواريخ علي أرض المعارك،...، والثانية صراعا بين الأفكار والاطروحات والمقترحات علي طاولة التفاوض،...، أو هكذا يجب ان تكون،...، وكل منهما شكل من أشكال السياسة وطريق لتحقيق الأهداف سواء بالمدفع.. أو بالكلمة.
ونحن نأمل ان يستمر وقف إطلاق النار، ويستتب وقف القتال، ويتم تنفيذ بقية بنود قرار مجلس الأمن رغم انه غير منصف، وأن يتم خلال الساعات أو الأيام القليلة القادمة انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية، ويستطيع الجيش اللبناني دخول الجنوب، وتفرض الدولة اللبنانية سلطتها علي جميع أراضي لبنان، حتي تستقيم الأوضاع وتنصلح الأمور.
كما نأمل أيضا ان يتمكن المشردون وعددهم الآن يزيد علي المليون مواطن لبناني، من العودة إلي ديارهم التي شردوا وهجروا منها خوفا أو كرها بعد أن تحولت إلي مصائد للموت، ومشروع مدافن للأحياء تحت وابل القنابل والصواريخ ودانات القتل والدمار المتساقطة من طائرات ومدافع ودبابات جيش العدوان الإسرائيلي.
ونتمني أن يتم وفي أقرب وقت إعادة بناء لبنان الذي دمرته الحرب، وأحدثت فيه خرابا وهدما وتدميرا لم يحدث مثله في أي دولة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما حول بنيته الأساسية إلي ركام من الأنقاض، ابتداء من المطارات أو الطرق أو الكباري أو الجسور أو شبكات المياه أو محطات الطاقة أو شبكات الكهرباء، مرورا علي المدارس والمستشفيات، وانتهاء بالمساكن وغيرها، وغيرها،...، وهو ما يحتاج إلي مليارات الدولارات، وجهد هائل لإعادة الإعمار والتشغيل من جديد.
ولعل أكثر ما نتمناه الآن، وبعد توقف المعارك، هو بقاء لبنان بكل فئاته وطوائفه موحدا في مواجهة ما هو قادم، وفي مواجهة استحقاقات ما بعد الحرب،...، وهذا لن يتحقق إلا بأن يكون للجميع في لبنان سواء سنة أو شيعة أو مارونا أو دروزا أو غيرهم من ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي، خيار واحد مقدم علي كل الخيارات الأخري، وله الأولوية قبل أي شيء آخر،...، وهذا الخيار هو لبنان الوطن والدولة والشعب.
***
أقول ذلك بوضوح ودون لبس لأن لبنان الوطن والدولة.. والشعب يجب أن يكون في قلوب الجميع،...، والولاء له يجب ان يسبق كل الولاءات الأخري، دون نقاش، ودون تردد.
وأقوله لأن الشعب اللبناني دفع الكثير جدا، وقدم ثمنا باهظا للغاية في هذه الحرب، ويستحق من كل ابنائه في كل الطوائف والشيع ان يقدموا الدولة اللبنانية والوطن اللبناني والمصلحة العامة قبل كل الأشياء وفوق كل الطوائف.
وأقول ذلك لأن هناك في سماء بيروت ما يوحي بتوترات قادمة في الطريق، وخلافات بدأت نذرها ومقدماتها تلوح في الأفق، وأرجو ألا يفتح لها المجال كي تتعاظم،...، ولعلي أشير هنا إلي بوادر الخلاف أو الاختلاف التي ظهرت في أروقة واجتماعات مجلس الوزراء اللبناني خلال الساعات القليلة الماضية، وعطلت كما هو معلن حسم قضية فرض سيادة الدولة اللبنانية علي كل أرضها، وحسم قضية دخول الجيش إلي الجنوب.
ونحن هنا لانريد أن نستبق الأحداث، ولانريد أن نتوقع الأسوأ، بل علي العكس نتمني أن يكون الجميع علي قدر المسئولية الوطنية والقومية الملقاة علي عاتقهم، تجاه لبنان الشقيق، وأن يوفوا بالاستحقاقات المطلوبة منهم في ظل الظروف الحالية، وهي ظروف دقيقة وخطرة، وأن يحسنوا تقدير الثمن الباهظ والتضحيات الجسيمة والهائلة التي دفعها وتحملها الشعب اللبناني والدولة اللبنانية جراء تلك الحرب،...، وأن يعطوا لبنان الدولة الفرصة الكاملة كي تنهض من جديد، بعد أن تتخلص من آخر جندي إسرائيلي علي أرضها، وتمد سيادتها وسلطتها علي كامل ترابها الوطني.
ونحن هنا لانريد ان نقلل من شأن فصيل أو طائفة من المجتمع اللبناني، ولانريد أن نرفع من شأن فصيل أو طائفة أخري داخل هذا المجتمع،...، ولانهدف إلي ان نبخس احدا حقه فيما قدمه للبنان الشعب والوطن والدولة،...، كما اننا لانسعي لإغماط المقاومة اللبنانية لحزب الله حقها في شرف ما قامت به من صمود فاق كل حد، في وجه العدوان الإسرائيلي الشرس والهمجي طوال الثلاثين يوما،...، ولكننا نقول أو هكذا نتصور انها قامت به من أجل لبنان دولة ووطنا وشعبا، ولم تقم به من أجل حزب الله، أو أي جهة أخري.
نعم نتصور أن ما قامت به المقاومة كان باسم لبنان، ومن أجله، وليس باسم حزب الله، ومن أجله، ونحن في ذلك نردد ما قاله الشيخ حسن نصر الله نفسه، ونقول أيضا ان هناك دولة اسمها لبنان، وليس هناك دولة باسم حزب الله، وأن حزب الله جزء من الشعب اللبناني، وأحد طوائفه،...، وهذا بالمناسبة لايقلل من حزب الله ودوره في المقاومة، بل يعلي ويرفع من شأنه وقدره،...، أو هكذا نتصور!
***
وفي هذا الإطار نأمل ونتمني عدم صحة الأخبار التي تتردد علي الساحة اللبنانية الآن حول تراجع حزب الله عن موافقته المسبقة والتي أعلنها منذ أيام، عن قبوله واستعداده وترحيبه بمبدأ بسط سيادة الدولة اللبنانية علي جميع أراضيها سواء في الجنوب أو الشمال أو الغرب أو الشرق أو الوسط، كمقدمة ضرورية ومتزامنة مع الانسحاب الإسرائيلي من كامل التراب اللبناني.
ونأمل ونتمني أن يتفهم الجميع أن مهمتهم الأساسية الآن هي فتح الطريق لانسحاب إسرائيلي كامل وشامل من الأراضي اللبنانية، حتي يستطيع المليون مهجر ومشرد العودة إلي ديارهم في الجنوب، والبدء فورا في إعادة الإعمار، وهذا لن يتحقق بالاختلاف وبوضع العراقيل أمام تنفيذ القرار الدولي الذي صدر عن مجلس الأمن برقم '1701' والذي ينص في أحد بنوده علي بسط سيادة الدولة اللبنانية علي جميع أراضيها.
ونحن هنا لانقول بأن هذا القرار متوازن، أو انه منصف، بل علي العكس من ذلك نقول انه غير متوازن، وغير منصف، ولكنه للأسف قرار دولي صادر عن مجلس الأمن المعبر عن الشرعية الدولية،...، وهو أيضا قرار معبر عن محصلة إرادات القوي ليس علي الساحة الإقليمية فقط، بل علي الساحة الدولية.
وأحسب ان الجميع لاحظ بانتباه شديد ان قرار مجلس الأمن لم يصدر بسهولة، ويسر، بل أنه تعطل وتأجل طويلا وتعثر كثيرا قبل ان يولد، وحتي بعد ولادته المتعثرة لم يخرج الي النور معبرا عما جري علي ارض الواقع من خلال المعارك والتشابك بالأسلحة والرجال، ولم يكن ترجمة حقيقية ولا منصفة لنتائج هذه المعارك وتلك التصادمات والاشتباكات التي دارت في الجنوب اللبناني.
واحسب كذلك اننا لاحظنا جميعا السعي الامريكي الدؤوب لتأخير وتعطيل مجلس الأمن عن اتخاذ قرار بوقف فوري وعاجل لاطلاق النار، وهو ما طالبت به مصر فور بدء الحرب،.....، ولعلها المرة الأولي في تاريخ مجلس الأمن الذي يجتمع فيها في ظل حرب قائمة ومشتعلة، وينفض دون ان يصدر قرارا يناشد فيه الاطراف، علي الاقل، بوقف فوري لاطلاق النار.
ومن هنا قلنا ونقول ان هذا القرار الذي صدر لم يكن معبرا عما جري علي الارض، وليس معبرا عن محصلة المعارك ونتائجها، ولكنه كان معبرا عن ارادات القوي علي الساحة الدولية، ونحن في ذلك نقصد الدولة الاعظم، التي أرادت ان تكافيء إسرائيل علي حساب لبنان.
***
ولعلنا لاحظنا جميعا ان اشد لحظات القتال واكثرها شراسة وعنفا هي تلك الساعات الأخيرة التي سبقت وقف اطلاق النار، وصمت المدافع وتوقف العمليات المسلحة، ايذانا باعطاء الفرصة للحوار علي مائدة التفاوض، او الاتفاق علي خطوط عامة للتسوية السياسية المؤقتة او الدائمة.
وهناك حقيقة مؤكدة في عالم السياسة وعلوم الحرب تقول ان ما يمكن ان يتحصل عليه، ويفوز به كل طراف من الاطراف المتصارعة، او المتحاربة علي مائدة المفاوضات لا يمكن ان يزيد أو يقل كثيرا عما استطاع انجازه او تحقيقه في ميدان القتال، وعلي ارض المعارك وفقا لامكانياته وقدراته ومستوي ادائه في مواجهة الخصم وحتي لحظة انتهاء المعارك ووقف اطلاق النار.
لذا رأينا خلال الساعات الاخيرة تصعيدا هائلا في الجرائم العدوانية الإسرائيلية علي لبنان الشقيق وصل في همجيته وشراسته بل وجنونه الي حد غير مسبوق، بهدف تحقيق انجاز ملموس علي الارض يمكن ان يعوضهم ولو نسبيا عن الفشل الواضح طوال الثلاثين يوما الماضية التي استغرقتها حربهم القذرة حتي أمس الاول.
ولعلنا لا نجاوز الحقيقة اذا ما قلنا ان اكثر ما يؤلم إسرائيل الان ويؤرق مضاجع قادة جيشها ورموز الحكم والسياسة فيها هو ذلك الشعور بالمهانة والعجز الذي ظهر علي جيشها طوال ثلاثين يوما متصلة من القتال في مواجهة حفنة قليلة من رجال المقاومة اللبنانية استطاعوا تمريغ سمعة وقدرة هذا الجيش الذي اشاعوا عنه انه لا يقهر في الوحل رغم قلة عددهم وفقر عتادهم.
وإسرائيل تدرك قبل غيرها انها لن تستطيع مهما بلغت من التبجح والمغالطةان تدعي انها انتصرت في حربها القذرة ضد لبنان، ورغم كل ما ألحقته به من دمار وخراب وبالرغم من كل جرائم القتل والهدم والتشريد التي مارستها، وبالرغم من كل المساندة والدعم غير المحدود التي حصلت عليه من الولايات المتحدة الأمريكية.
وعدم استطاعتها تلك ترجع الي عجزها الواضح والمؤكد عن تحقيق اهدافها المعلنة من وراء تلك الحرب والتي حددتها في القضاء علي المقاومة اللبنانية في الجنوب قضاء مبرما، او علي الاقل تقليم اظافرها واضعافها وتدمير سلاحها، ودحر جيشها الي الوراء 30 كيلو مترا خلف نهر الليطاني، ... هذا بالاضافة الي استرجاع الجنديين الأسيرين،.....، وواضح انها لم تستطع تحقيق أي من الاهداف المعلنة.
***
وإذا كانت إسرائيل لم تستطع ان تحقق هدفا واحدا من اهدافها المعلنة فلا هي حطمت المقاومة، ولا هي التي اقامت منطقة عازلة علي الحدود بين شمال اسرائيل وجنوب لبنان بعمق 30 كيلو متر، ولا هي التي وضعت يدها علي نهر الليطاني، فانها سعت في الساعات الأخيرة الي خطف اي انجاز ولو كان استعراضيا.
من هنا رأيناها تعلن خلال اليومين الماضيين عن توسيع المعارك، والتوغل البري بالذات والدفع بأكثر من 30 الف جندي لتحقيق ذلك، كما قامت بأكبر عملية انزال جوي لمحاولة الاستيلاء علي منطقة الليطاني كل ذلك في محاولة يائسة لخلق امر واقع جديد ولو في اللحظات الأخيرة،.....، ولو بدفع ثمن باهظ والتضحية بخسائر كبيرة، وكثفت بشكل جنوني هجومها الجوي علي مناطق الجنوب اللبناني بكل مدنه وقراه وصولا الي الضاحية الجنوبية لبيروت التي ألقت علي مربع واحد فيها اكثر من عشرين طنا من القنابل في زمن قياسي ولكنها ايضا لم تستطع تحقيق اهدافها.
ولعلنا يجب ان نشير هنا الي ان فشل اسرائيل في تحقيق اهدافها التي اعلنتها علي العالم منذ اللحظات الأولي لبدء حربها علي لبنان ليس فشلا عاديا او بسيطا بحيث يمكن تجاوزه في سهولة ويسر، بل هواكثر عمقا من ذلك بكثير ويجب التوقف عنده طويلا.
فنحن امام دولة اعتمدت في وجودها كله طوال ما يزيد عن النصف قرن من الزمان ومنذ قيامها في 1948، وحتي اليوم علي التأكيد لنفسها وكافة جيرانها، وللعالم ايضا انها قادرة علي فرض هذا الوجود وحماية استمراره بقوة جيشها، الذي لا يقهر، بازرعته الطويلة واظافره الصلبة، وانيابه الحادة، وآلته العسكرية المتطورة.
وفي هذا الاطار بنت عقيدة وجودها ذاته علي القدرة الفائقة لهذا الجيش علي هزيمة كافة القوي المجاورة في ايام معدودات ان لم يكن في ساعات،....، ومن هذا المنظور وانطلاقا من تلك العقيدة كان من المتصور لدي ساسة إسرائيل، وقادة جيشها أن الامر كله لن يستغرق سوي ساعات قليلة، او علي اكثر تقدير بضع ساعات، وتكون المقاومة اللبنانية قد تلقت درسا لن تنساه ابدا واذا ما اتيح لها ان تبقي علي قيد الحياة من بعده.
ومن هنا كانت المفاجأة المذهلة، وكانت الصدمة الهائلة للاسرائيليين انفسهم ثم لغيرهم بعد ذلك، عندما فشل هذا الجيش في تحقيق اهدافه طوال مدة الحرب التي تجاوزت الثلاثين يوما، في الوقت الذي كان الجميع لا يداخلهم ادني شك في طاقة النيران الهائلة، التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي وقوة التدمير المهولة التي يقدر عليها.
***
وقبل أن نسترسل في الحديث عما جري وما كان من مفاجآت القتال وصدمة المعارك التي دارت بين ثنايا خط الحدود الجنوبي للبنان والشمالي لإسرائيل وفوق قمم وفي دروب جبال لبنان ذات الطبيعة الخاصة وبين الوديان وفوق التلال يجب ان ننبه الجميع إلي ان ذلك ليس معناه ضعفا عاما وهزالا شاملا في الجيش الإسرائيلي بالمعني الذي قد يحب أو يهوي أو يأمل أن يصدقه الكثيرون منا نحن المصريين أو العرب بصفة عامة ممن تغلب عليهم العاطفة والأخذ بمقاييس الانفعال عند التقييم والحساب، في بعض الأحيان بل وفي أحيان كثيرة يغلب عليهم الخلط بين ما يتمنونه وما هو قائم.
كما ننبه الجميع في نفس الوقت إلي ان ذلك ليس معناه أبدا قوة هائلة، وقدرة فائقة للمقاومة ورجالها، بالمعني المتعارف عليه بين الجيوش النظامية فهذا غير حقيقي وغير واقعي، بل ونظلم المقاومة إذا تصورنا ذلك، خاصة وأنها أول من يقول بما أقول، فهي لم تدع أبدا أن قوتها يمكن أن تقاس أو تصنف بقوة الجيوش النظامية، ودائما أبدا تدرك ذلك وتعلنه،...، وأزيد علي ذلك بالقول ان تلك هي قوتها الحقيقية، أي ان قوتها في ادراكها لحدود هذه القوة، ونحن هنا لانريد أن نقلل من قوة المقاومة وما فعلته، وما قامت به وما ضربته من أمثلة رائعة في الصمود وبسالة التصدي. فهذا ليس واردا علي الإطلاق، كما انه ليس حقيقيا،...، ولكننا نحاول وضع قراءة صحيحة للموقف في ضوء ما جري وما كان، بعيدا عن فوران العاطفة، وسخونة الانفعال.
وفي هذا الإطار رأينا حالة خاصة، وحدثا فريدا علي الجانب الإسرائيلي حيث التقدير الخاطيء لقوة الخصم، في ظل وجود قوة عسكرية هائلة في الترسانة الإسرائيلية، ولكنها اصيبت بالغرور والحمق والهمجية، واعمتها الغطرسة عن الرؤية الصائبة والتقدير الصحيح فاستهانت بقوة المقاومة اللبنانية، واقنعت نفسها والعالم بأنها تستطيع القضاء علي الخصم في أسرع وقت ودون عناء، فإذا بها تغوص في متاهة الجنوب اللبناني وتقف عاجزة أمام صمود المقاومة وشدة بأسها.
ورأينا علي الجانب اللبناني حيث المقاومة، استعدادا وتجهيزا ليوم كانوا يدركون أنه قادم لامحالة، ويعدون له طوال السنوات الست الماضية منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 'ألفين' وحتي الآن، بعيدا عن العيون الإسرائيلية، وفي غفلة منها، وهو ما كان له وقع المفاجأة الحقيقية، وأدي إلي الصدمة الكاملة والمركبة للجانب الآخر،...، ومن هنا كان من الطبيعي ان يقع الإسرائيليون فريسة لخطأ التقدير والحساب وهو ما أدي إلي ما رأيناه ورآه معنا العالم كله من فشل إسرائيلي واضح في تحقيق أي من أهدافه المعلنة سلفا.
وفي ضوء ذلك كله.. نستطيع أن نقول إن أحدا لايستطيع ان يصدق أو يبتلع أن إسرائيل حققت انتصارا علي أرض الواقع بعد هجمتها الشرسة والهمجية والعدوانية علي لبنان،...، ليس هذا فقط بل يمكننا القول ان هناك خسائر واضحة نالت الجانب الإسرائيلي لعل أبرزها هو تلك المهانة التي لحقت بجيشها أمام العالم أجمع بوصفه جيشا غارقا في ارتكاب أبشع جرائم الحرب قوة وعنفا، وأكثر المذابح دموية ضد المدنيين، بالإضافة إلي ما ارتكبه من دمار وهدم وخراب بطول وعرض الأرض اللبنانية، وكلها جرائم تخرج أي جيش من دائرة الشرف العسكري وتدخله في دائرة مجرمي الحرب.
وإذا كان ذلك هو ما جري للجيش الذي لايقهر والذي ظل عاجزا بلا حول ولاقوة أمام مجموعة أفراد المقاومة اللبنانية طوال الثلاثين يوما الماضية،...، فماذا عن حزب الله ورجاله؟
كما قلت سابقا.. نظلم المقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله ورجاله إذا ما قلنا انها كان مطلوب منها ان تلحق هزيمة بالجيش الإسرائيلي بالمعني التقليدي أو المتعارف عليه في المعارك بين الجيوش، فهذا لم يكن مطروحا ولا واردا علي الإطلاق.
وما يجب ان يكون واضحا هو ان حزب الله ليس جيشا نظاميا لدولة، ولكنه مجموعة مقاومة مسلحة وضعتها ظروف كثيرة في الداخل اللبناني في الوضع الذي هي فيه الآن.
***
من أجل ذلك كله نقول ان الأيام القادمة تحمل في طياتها الكثير، بل الكثير جدا سواء علي الجانب الإسرائيلي الذي تعمق لديه الإحساس بالمهانة وعدم القدرة علي احراز النصر أو تحقيق الأهداف المعلنة من الحرب، وهو ما يمكن ان يؤدي إلي عاصفة سياسية في إسرائيل ستطيح بالكثيرين بلا شك، سواء في الجيش أو الحكومة.
وأيضا علي الجانب اللبناني هناك متغيرات وتطورات قادمة في الطريق بلا شك، بل ان ملامحها وبوادرها تلوح في الأفق الآن بالفعل.
وكل ما نأمله ونتمناه ان تكون هذه المتغيرات بالايجاب وأن يكون لبنان الوطن والدولة والشعب في عيون جميع الشيع والطوائف اللبنانية وأن يكون هو الخيار الأول والأخير للجميع.
|
|
|
 |
|
|
|