كتب حسين جلال :
كثيرا مانتحدث عن أهمية التنمية البشرية في بناء المجتمع وانها هي العمود الفقري لأي مجتمع، وكثيرا أيضا مانؤكد أن الفرد هو أغلي أدوات الانتاج علي الاطلاق، ولكن نظرة واحدة علي حادث قتل خطأ مأساوي تؤكد عكس ذلك بالمرة، إذ تبين مدي الاستهانة واللا مبالاة بحياة البشر. ويكفي ان نعلم أن القانون المدني يجعل سعر الفرد في حوادث القتل الخطأ مائتي جنيه فقط، والأدهي من ذلك أن التعويض المدني غير مناسب اطلاقا إذ أنه يصل في أحسن أحواله إلي 50 ألف جنيه كما يقول القانونيون. فهل يوجد في شريعتنا الغراء حكم رادع أو عقوبة عادلة لتأديب المستثمرين المستهينين بحياة البشر في حوادث القتل الخطأ التي ربما يذهب ضحيتها عائل أسرة أو شاب يسعي علي أبويه العاجزين أو أجم تعول أولادها الأيتام.
الدية الشرعية
بداية يقول د. محمد رأفت عثمان استاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون: إن القانون في مصر وكثير من البلدان الاسلامية لم يصل في درجته العقابية في حوادث القتل الخطأ إلي الدرجة التي نصت عليها الشريعة الاسلامية، فالتعويضات القانونية في هذا النوع من القتل لاتصل إلي درجة الدية. ويعرف د.رأفت الدية بأنها تعويض لأهل القتيل عن فقد انسان، وأنها عقوبة تجعل الناس يحتاطون وينضبطون بقدر الامكان في أفعالهم وتصرفاتهم، ولايستهينون بحياة الآخرين. ويوضح أن الاسلام حدد الديات كما ورد في بعض الأحاديث النبوية الشريفة بمائة من الابل إذا كانت البيئة التي وقع فيها القتل صحراوية، أما البيئات الأخري فإن ديات القتلي كانت تحدد فيها بالدراهم والدنانير، ومن المعروف أن الدراهم كان يتم سكها في الدولة الفارسية، كما أن الدنانير كان يتم سكها في الدولة الرومانية، وهي نفسها العملات التي كان يتم التعامل بها أيام النبي صلي الله عليه وسلم. ويضيف د. رأفت عثمان : ان الدينار الرومي كان قطعة من الذهب يزن حوالي أربعة جرامات وربع، فاذا أردنا أن نحسب دية القتيل الواحد فإننا نضرب وزن الدينار وهو (4.25) جرام في عدد الدنانير التي حددها الفقهاء ب 'الف دينار' فتكون الدية أربعمائة ألف وخمسة وعشرين جراما من الذهب، واذا افترضنا مثلا أن متوسط سعر الجرام الآن هو 100 جنيه مصري، فإن مقدار الدية يكون أربعمائة ألف وخمسة وعشرين جنيها مصريا، وهي عقوبة رادعة وحكم زاجر يكفي لتأديب المعتدين المستهترين في تصرفاتهم.
الدية والعفو
أما د. محمد داود أستاذ الشريعة بجامعة قناة السويس فيفرق بين القتل الخطأ غير المقصود، والقتل الخطأ الناتج عن استهتار ورعونة أو اهمال. ففي الحالة الأولي تكفي الدية، أما في الحالة الثانية فللقاضي أن يضيف بجانب الدية عقوبة تعزيرية أخري.
ويضيف د. داود أن الدية حكم ثابت بنص القرآن الكريم فقد قال تعالي 'ومن قتل خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الي أهله إلا أن يصدقوا' 'النساء 92' فالدية تعويض مالي يعطي ترضية لأهل القتيل.
ويؤكد د. داود أن القرآن الكريم رغب أهل القتيل في التنازل والعفو فقال تعالي:'إلا أن يصدقوا' وهذه اشارة علي العفو علي اطلاقه فقد سمي تنازلهم وعفوهم صدقة، وكذلك لايجوز للقاضي استبدال حكم الدية بعقوبة تعزيزية.
دية الأعضاء
الدكتور عبدالرحمن عميرة العميد السابق لأصول الدين بجامعة أسيوط يقول: لاشك أن القانون الوضعي يتوافق في كثير من مواده مع الشريعة الاسلامية ولكنه يلجأ في بعض الأحيان الي أحكام مخففة اذا اطمأن أن القتل علي سبيل الخطأ، كما أن به ثغرات كثيرة يمكن أن ينفذ منها المستهترون.
ويضيف د. عميرة: انه توجد دية للأعضاء، فالانسان له أعضاء منها ماهو عضو واحد كالأنف واللسان، ومنه ماهو زوج كالعينين والشفتين والأذنين واليدين. فاذا أتلف انسان أنف انسان مثلا بحيث انه فقد حاسة الشم كاملة وجبت الدية كاملة، واذا أتلف عضوا واحدا من الأعضاء المزدوجة يحب نصف الدية.
ويضيف د. عميرة: كما تجب الدية كاملة أيضا اذا ضرب شخص شخصا آخر فأفقده عقله، لأن العقل هو الذي يميز الانسان عن الحيوان.
الخطأ والضرر
الدكتور سامح جاد أستاذ القانون الجنائي بكلية الشريعة والقانون يبدأ حديثه متسائلا: ماذا نفعل اذا كان الجاني ميسور الحال وثبت أنه يستهين بعقوبة الدية؟
وأضاف أن المادة 238 من قانون العقوبات ان كانت قد حددت عقوبة القتل الخطأ بالحبس ستة أشهر وغرامة 200 جنيه فهذه صورة مبسطة للعقوبة وهناك حالات أخري تشدد فيها العقوبة حسب جسامة الخطأ والضرر فاذا كان الخطأ جسيما كأن يكون ناتجا عن اخلال مهني جسيم تكون العقوبة الحبس سنة الي خمس سنوات وغرامة100 جنيه أما جسامة الضرر فتوجب الحبس مدة سنة الي سبع سنوات وجسامة الخطأ والضرر توجب عقوبة السجن مدة لاتزيد علي 10 سنوات. وهي عقوبة رادعة تستوجب تأديب من تسول له نفسه العبث والاستهتار بحياة الآخرين.
|
|