تحايلوا علي قرار رسم التصدير
التجار سيطروا علي السوق بشراء الأرز وتخزينه!
سعر طن 'الشعير' يقفز من 900 إلي 1400 جنيه
تحقيق :
كرم سنارة
محصول الارزق يكشف عن فصل جديد من فصول لعبة 'القط والفار' بين الحكومة والتجار فالحكومة حددت 200 جنيه كرسم صادر عن كل طن ارز يتم تصديره بهدف تغطية احتياجات الاستهلاك المحلي.. والتجار ايدوا القرار في العلن.. لكنهم رفضوه في الخفاء.. 'طبخوه' مع الارز في اماكن فاحت منها رائحة 'شياط' الاسعار بعيدا عن الاسواق الرسمية!.
قاموا بجمع المحصول من المزارعين وتخزينه.. اشتروه من المزارعين وسارعوا بتشوينه داخل المخازن املا في اعلي سعر وسعيا الي اكبر هامش من الربح والتربح.. وبالتالي قفز سعر الطن 'الشعير' من 900إلي 1400 جنيه..ولا ندري كم سيصل سعر الطن خلال الفترة القادمة اذا استمرت لعبة 'تعطيش السوق'!..
لماذا نزرع؟
هذا السؤال اجابته معروفة منذ سنوات طويلة، لانها بديهية ومنطقية.. فنحن تزرع لهدفين اثنين. لنأكل.. ونزرع لنصدر الفائض عن احتياجاتنا الي الخارج.. لكن انفلات السوق خلال السنوات الاخيرة كشف عن نتيجة ثالثة للزراعة وهي اننا نزرع رغما عنا ليأكل التجار جيوب المستهلكين!!.
تقلبات
قبل استعراض تفاصيل الموجة الاحتكارية الراهنة تجدر الاشارة الي ان محصول الارز قد مر خلال السنوات الاخيرة بالعديد من التقلبات في اسواقه.. فقبل تحرير القطاع الزراعي كان المحصول يتم تسليمه اجباريا الي الجمعيات الزراعية التي تحدد سعرا ثابتا له.. ورغم ان السعر حينذاك كان مجحفا بالنسبة للفلاح فإن المستهلك لم يكن يتعرض لموجات الغلاء والمغالاة.. كما لم يكن هناك اي وجود للتجار المحتكرين.
لكن بعد تحرير القطاع الزراعي اختلف الحال.. وجاء هذا الاختلاف ما بين الصعود والهبوط لسوق المحصول.. فمرة يرتفع.. ومرة اخري ينخفض بشكل ملحوظ ونظرا لغياب دراسات السوق فقط اضطر المزارعون في احدي السنوات الي تقديم المحصول علفا للماشية.. لان سعر طن العلف كان 800 جنيه بينما سعر طن الارز 400 جنيه.. وبأعتبار ان العشوائية اصبحت تحكم الانتاج والتسويق فقط اصبح مصير المنتج والمستهلك مرتبطا بالصدفة او ضربة الحظ!.
علامات استفهام كثيرة وراء هذا السؤال: لماذا هذه القفزة المجنونة في سعر الارز؟
المعروف ان المساحات المزروعة تزيد عاما بعد عام.. ورغم انه تم فرض غرامة علي زراعة المساحات المخالفة فقد تمادي المزارعون في الزراعة خارج الزمامات المقررة لان قيمة الغرامة متواضعة.. وبالتالي زادت المساحات المزروعة بالارز هذا العام عن المليون فدان.. ولان متوسط انتاج الفدان الواحد اربعة اطنان فإن انتاجنا هذا العام هو اربعة ملايين طن من الارز.. وهو انتاج وفير يكفي الاستهلاك المحلي.. بل ونسبة فائق للتصدير.. بمعني اخر فإنه كان من المنتظر ان ينخفض سعر الطن الارز عند 900 جنيه وهو سعر العام الماضي او حتي يثبت عند هذا السعر طالما ان هناك وفرة عن المعروض!.
تخزين
رفع السعر رغم زيادة العرض يمثل مفاجأة.. أما المفاجأة الثانية فهي قيام التجار بتخزين المحصول.. فمجرد اصدار رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة قرار فرض رسم صادر قدره مائتي جنيه علي كل طن ارز، سارع التجار بجمع المحصول من المزارعين وتخزينه..
هذا التخزين للمحصول يتم في محافظات كفرالشيخ والغربية والدقهلية وباقي محافظات الدلتا المنتجة للارز.
وكما يشير عبدالله مصطفي 'مزارع' فقد فوجئ الفلاحون منذ منتصف الشهر الماضي وحتي ايام قليلة ماضية بهجمة من التجار علي شراء الارز.. ولان اي مزارع عادة ما يربط قضاء مصالحه بعائد المحصول فقد وافق المزارعون علي البيع بينما يشير جمال سعد الدين مزارع الي ان التجار عرضوا اسعارا مغرية لهذا المحصول، فبعد ان كان سعر الطن 900 جنيه العام الماضي نجده وصل الي 1400 جنيه هذا العام.. ولا شك ان الفرق المتمثل في 500 جنيه في كل طن يعتبر اغراء يدفع الي البيع بدون تردد.
اما المزارع جابر حسين فيري ان الفلاح لا يمكنه تخزين الارز.. لان منزله موجود في موقع الارض الزراعية. ويخشي تعرضه للتلف بسبب مفاجآت الامطار.. كما انه يحتاج الي سيولة مالية وهي لا تتوافر الا ببيع المحصول الذي انفق عليه مدة ستة شهور متواصلة.. يزيد علي هذا كله ان السعرالذي تم البيع به يمثل تعويضا للفلاح عن كارثة محصول القطن هذا العام، بالقطن مازال مكدسا عند المزارعين ولا يجد من يشتريه حتي الان!.
'تربيط'
إذا استمر هذا التخزين للارز فسوف يكتوي المستهلك بنار اسعاره اكثر واكثر خلال الفترة القادمة.
هذا ما يؤكده المهندس الزراعي احمد عطا الله موضحا انه اذا كان سعر الطن 'الشعير' 1400 جنيه وبعد الضرب في المضارب فإن صافيه كأرز ابيض لا يزيد عن 600 كيلو جرام، وبالتالي يصبح عائد قسمة 1400 جنيه علي 600 كيلو جرام حوالي 235 قرشا للكيلو.. واذا كان هذا ثم الشراء لتاجر الجملة فليس مستبعدا مع حسابات النقل والعمالة وحلقات التداول التجاري ان يشتري المستهلك كيلو الارز 'الابيض' بأكثر من ثلاثة جنيهات!.
ويضيف المهندس عطا الله ان هناك عاملين ساعدا التجار علي السيطرة علي سوق الارز هذا العام.. اولهما يتمثل في قدرة الانتاج بالدول الاخري المنتجة للارز. بينما يتمثل العامل الثاني في ظاهرة موجودة منذ سنوات.. وتحديدا بعد القفزات المجنونة في اسعار مستلزمات الانتاج الزراعي..
ألا وهي قيام العديد من التجار بالاتفاق مع المزارعين علي شراء المحصول.. وهذا الاتفاق يتم قبل نضج المحصول بشهرين علي الاقل.. وللابتعاد عن شبهة الربا فإنه لا يتم تحديد السعر مقدما انما يترك لسعر السوق وقت الحصاد.. وبالتالي فإن التجار الذين يدفعون مقدمات علي سبيل 'العربون' للمزارعين يسهل عليهم الاستحواذ علي اكبر كمية ممكنه من محصول الارز.. وهذا ساعدهم كثيرا علي التخزين هذا العام.
 لكن: هل للتخزين حدود ومواصفات معينة؟
 يجيب هشام عبدالمولي مهندس زراعي مشيرا الي ان الارز وتحديدا الشعير سريع الانبات خاصة اذا كان لم يحصل علي القدر الكافي من التجفيف.. لكن امكانيات التجار تساعدهم علي تخزينة لاطول فترة ممكنة.. فالامر لا يحتاج اكثر من مخازن امنة من مياه الامطار.
ووضع ارضيات خشبية تحت الكميات المخزنة حتي لا تتأثر بالرطوبة.. كذلك التهوية من حين لاخر حتي لا يتعرض للسوس.. وعموما مدة التخزين لن تطول، فالتجار ينتظرون مدة شهرين او ثلاثة علي الاكثر حتي يقل المعروض من الارز القديم بالاسواق ويقل المعروض من المستورد ثم يطرحونه!.
تعطيش
'تعطيش السوق' مصطلح تجاري اخذت دلالاته وانعكاساته السلبية تكبر وتتضخم خلال الفترة الاخيرة ورغم التشدق بمشروعية آليات السوق الحرة، فإن هذه الطريقة اي التعطيش تعد نوعا صارخا من انواع الاحتكار والذي يعتمد علي تخزين الارز حاليا..هذا ما يؤكده د. محمود فواز استاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة طنطا، مشيرا الي ضرورة تشديد اليقظة الرقابية واتخاذ العقوبة المناسبة حيال هؤلاء المحتكرين.
 وهل بمقدور الحكومة ان تخصص قوة من شرطة التموين لكل حقل.. ولكل تاجر علي مستوي الجمهورية؟
 من قال ذلك؟.. لو تم ضبط تاجرا واحدا في مركز ما واتخذت العقوبة الرادعة ضده، لاصبح عبرة لغيره..ويضيف د. فواز انه لمنع مثل هذه الممارسات الاحتكارية فإن تحرير القطاع الزراعي يجب ان يقابله تدخل الدولة في عملية التسويق، فليس مقبولا ان تنفض الدولة يدها من كل شئ.. وليس معقولا ان تنتظر مضارب الارز التابعة للشركة القابضة حتي يمن عليها التجار المحتكرون ليوردوا لها الارز في الوقت الذي يحددونه وبالسعر الذي يرضي جشعهم!.
|
|