أسئلة حائرة وراء أعطال الكابلات البحرية و'تعتيم' الانترنت
جنون 'أون لاين' أم.. عملية تجسس؟
بقلم :
نبيل
زكي
في أحد أفلام جيمس بوند، تقول احدي الشخصيات: في المرة الأولي يقع حدث معين.. وإذا تكرر فأنها تكون مصادفة، أم في المرة الثالثة فانه عمل عدائي.
وفي احد مواقع الانترنت، نقرأ ما يلي: كابل اتصالات بحري يصيبه عطب أو يتعطل.. هذا يعني وقوع حادث. وإذا تعطل كابلان، فهذا حادث محتمل. أما إذا تعطلت أربعة كابلات، فهذا تخريب متعمد.. وقبل أيام حدثت اعطال في أربعة كابلات للاتصالات البحرية أدت إلي توقف واضطراب في خدمة الانترنت في عدد من دول الشرق الأوسط، علي رأسها مصر ولبنان والاردن ودول الخليج العربي. ووصل هذا التوقف والاضطراب إلي الهند وباكستان!
وترتب علي هذا التوقف والاضطراب ما يشبه الشلل في عمليات التداول في البورصة المصرية وقيل ان البورصة كانت في حاجة إلي فترة هدوء ولذلك لم تحدث مشكلة لحسن الحظ.. والمعروف ان انقطاع الانترنت في الظروف العادية يفرض علي المتعاملين مع البورصة حالة من الاظلام التام، وخاصة في قطاع التعاملات الالكترونية.
في البداية، اصيب كابلان بأعطال.
ففي يوم الأربعاء الماضي انهارت شبكة الانترنت عبر الشرق الأوسط، وفي الهند.
اثنان منفصلان من الكابلات المصنوعة من الألياف البصرية تحت البحر يربطان بين أوروبا ومصر وبين مصر والشرق الأوسط والهند.
لم يقع زلزال حتي يمكن ان نفسر هذا الانقطاع في الكابلات بوقوعه. وسمعنا تفسيرا آخر هو ان مراسي سفن.. دفعها طقس عاصف تحت سطح البحر وحطمت الكابلات.. غير ان المسئولين المصريين اعلنوا انه لم تمر أي سفينة في المياه الاقليمية وما بعدها في محيط منطقة الكابلات خلال الاثنتي عشرة ساعة السابقة علي الاعطال والاثنتي عشرة ساعة التي اعقبت الاعطال. وعرف العالم ان المصريين يراقبون هذه المنطقة بانتظام، علاوة علي ان المنطقة بكاملها، الواقعة في شمال الإسكندرية، محظورة فيها كل أنواع الملاحة البحرية.
ومعني ذلك استبعاد احتمال ان تكون السفن هي المسئولة عن الاعطال.
اذن.. فان الزلازل والسفن غير مسئولة.. فكيف حدثت الاعطال؟


في البداية، كانت هناك تكهنات تحولت إلي شكوك ثم حدث ان تعطل كابلان آخران'!' في منطقة الخليج بطريقة غامضة.. أربعة كابلات بحرية تتعطل وتتوقف في أسبوع واحد!
والسبب غير معروف. وسمعنا انه سيحدث تحقيق عند الوصول إلي الأجزاء المحطمة من الكابلات وفحصها.. وظهر ان المسافة بين الكابلين المقطوعين شمال الإسكندرية هي بضع كيلومترات، مما يرجح ان ما اصابهما جاء نتيجة سبب واحد أو حادث واحد.. وتمتد ثلاثة كابلات رئيسية من إيطاليا إلي مصر، وتمر تحت قناة السويس، ومن هناك تصل إلي العديد من دول الشرق الأوسط. وأي تعطيل في هذه الكابلات تظهر نتائجه عبر المنطقة كلها.. وهكذا فقدت مصر سبعين في المائة من اتصالاتها بشبكة الانترنت الخارجية و30 في المائة من خدمة مركز اتصالاتها المرتبطة بالصناعة، كما فقدت الهند ما بين 50 % و60 % من اتصالاتها. واصبح 75 مليون انسان ضحايا 'تعتيم' الانترنت!
وتستخدم مصر الكابلات الأكثر تقدما بين الكابلات الرئيسية.
احد هذه الكابلات تملكه شركة 'فلاج تيليكوم' و'مقرها بريطانيا'، وهي تابعة لمجموعة 'ريلاينس' 'ومقرها الهند' وهو كابل يمتد لمسافة 17 ألف ميل تقريبا من أوروبا إلي الصين.
والكابل الثاني معروف باسم 'سي.مي.وي4' ويملكه 'كونسورتيوم' من 15 شركة اتصالات مختلفة، ويمتد من اسبانيا إلي سنغافورة.
ويتم تحميل مسارات الانترنت علي هذين الكابلين.. ولما كانت الأضرار التي تصيب الكابل البحري.. نادرة.. ولما كانت الاعطال قد أصابت مفصلا حيويا ورئيسيا في عنق زجاجة هو مركز انابيب المعلومات بين أوروبا والشرق، وحيث تجتاز حركة مرور الشبكة قناة مركزية واحدة..
فقد تضاعفت الشكوك حول هذه الأعطال.
وهنا ينبغي التذكير بأن هناك خطا منفصلا بين إيطاليا وإسرائيل ولذلك لم تتأثر إسرائيل بكل ما حدث من أعطال!!
ومع ذلك يسخر موقع 'ذي ريجستر' من أصحاب 'نظريات المؤامرة' وجعل من هذه السخرية وسيلة للتخلص من الحرج الذي وقعت فيه شركات الكابلات.. صحيح ان البعض تصور ان هذه الأعطال جزء من مؤامرة واسعة يدبرها المحافظون الامريكيون الجدد لعزل المنطقة قبل شن هجوم عسكري أمريكي.. وصحيح ان البعض افترض ان هذه الاعطال تنذر بوقوع هجوم أمريكي علي إيران.. مما أتاح لأعداء نظريات المؤامرة ان يستخدموا تعبير 'جنون أون لاين'.. إلا ان كل هذه التكهنات والافتراضات لا تتفق مع الواقع، وخاصة ان إيران لم تعزلها هذه الاعطال علي الإطلاق، بل ربما تكون قد تمتعت باتصالات أفضل عقب تلك الأعطال!


والتفسير الذي يستحق الوقوف عنده هو الذي ألمح اليه، بطريقة غير مباشرة، البروفيسور ستيفن بيلوفين، استاذ علم الحاسبات بجامعة كولومبيا. يقول: 'ان وقوع أربعة أعطال خلال اسبوع واحد يصعب فهمه أو استيعابه أو التسليم بأنه مجرد مصادفة'.
ويقول البروفيسور بيلوفين: 'إذا لم يكن ما حدث هو محاولة مباشرة للتنصت، فانها محاولة غير مباشرة. فمنذ سنوات عديدة، كتبت، انا وزميل لي، حول الهجمات التي تستهدف قطع الاتصالات. ففي هذه الهجمات، عليك ان تعطل بعض الكابلات لكي ترغم القائمين علي حركة أو مسار المعلومات علي استخدام حلقة اتصال أخري بديلة تكون خاضعة لرقابتك. وقطع مسارات حركة الاتصالات، من أجل مثل هذه الأغراض، ليس شيئا جديدا. ففي بداية الحرب العالمية الأولي، قطع البريطانيون كابل البرقيات فيما وراء البحار لارغام الألمان علي استخدام وسائل اتصال يسهل رصدها. ومن بين الرسائل التي التقطوها وفكوا شفرتها.. برقية رسمية تطلب من المكسيك الانضمام إلي ألمانيا لمهاجمة الولايات المتحدة مقابل دعم مالي وإعادة تكساس ونيومكسيكو واريزونا إلي المكسيك. وأدي الكشف عن مضمون هذه البرقية إلي إثارة غضب الرأي العام في الولايات المتحدة، مما ساهم في القرار الأمريكي بدخول الحرب ضد ألمانيا'.
ويضيف البروفيسور بيلوفين ان المشكلة في هذا السيناريو ان فائدته قصيرة الأمد، فالكابلات يتم إصلاحها خلال بضعة اسابيع أو أيام.
.. نعم.. ولكن هذه المدة تكفي لتحقيق.. تحقيق ماذا؟ هذا هو ما لا نعرفه.
ولكن البروفيسور يطرح افكارا تثير الاهتمام ولا ينبغي أهمالها، وخاصة في منطقة حساسة سياسيا.. مثل هذه المنطقة. ومن العوامل التي تثير الشكوك انه لا أحد يعرف مكان أو موقع السفينة الأمريكية 'جيمي كارتر uss'، وهي تحمل أجهزة مصممة خصيصا للتعرف علي محتويات الكابلات.


اذن.. فالسؤال هو: هل كان توقف الكابلات عن العمل.. مسألة عرضية أم اننا بازاء عملية تجسس تندرج في إطار 'الحرب الخاصة'؟
وإذا كانت الحكومة الأمريكية تعطي لنفسها الحق في التجسس علي الأمريكيين في بلادهم نفسها أو عندما يتصلون بافراد فيما وراء البحار، 'وهي لا تخفي ذلك، بل تعلنه علي رءوس الاشهاد'،، فلماذا لا نشك في قدرتها علي اغتصاب شبكة كابلات انترنت عالمية لاستخدامها لاغراضها الخاصة؟
لقد تردد ان الرئيس الروسي بوتين أمر السلاح الجوي لبلاده باتخاذ إجراء عاجل لحماية الكابلات البحرية الروسية.. فهل هذا يعني ان هناك من يتخذ الاحتياطات لحماية نفسه من عمليات التجسس الواسعة.
تقول 'الايكونوميست' انه من النادر ان تتصدع كابلات عديدة في اسبوع واحد، ولكن هذا الأمر يمكن ان يحدث.. وتقول احدي شركات اصلاح الكابلات البحرية ان أكثر من خمسين كابلا قد قطعت أو أصيبت في العام الماضي في المحيط الأطلنطي.
وكل هذا يمكن ان يكون صحيحا. ولكن علينا ان نكون علي حذر في عالم أصبح فيه من يملك المعلومات هو من يملك قوة مضاعفة، وعلينا ان نتذكر دائما سيناريو البروفيسور بيلوفين!
|
|