United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار
56السنة -17415ه - العدد1429محرممن5- م2008فبراير من12 الثلاثاء
بتوقيت القاهرة 09:56:11 ك الساعة - 11/02/2008 آخر تحديث يوم
      مساحة للرآي
نظرة إلي المستقبل
آخر قرون الإنسان.. القرن الواحد والعشرين؟ (8)

بقلم :
سمير غريب
sgharib@internetegypt.com


سألني قاريء: كتبت في مقالتك الأسبوع الماضي أنه لم يحدث في تاريخ الإنسان من قبل أن ولدت حضارة من جديد بعد أن ماتت، لكن ذلك حدث مع الحضارة اليونانية الرومانية. فكيف تولد حضارة من جديد بعد أن تموت؟ولماذا حدث ذلك مع الحضارة اليونانية الرومانية فقط؟
أشكر القاريء العزيز علي سؤاله. ويبدو أنني لم أوضح ما قصدت إليه في مقالتي السابقة. وها هو يمنحني فرصة للتوضيح فأقول: كل حضارة قامت علي مباديء ومعتقدات معينة. فالحضارة الفرعونية مثلا قامت علي فكرة الخلود والإيمان المطلق بالحياة الأخري للكائنات الحية وليس للإنسان فقط. وأن الموت الذي نعرفه ليس موتا أبديا للجسد، ولكنه تحول عابر في حياة الانسان، 'برزخ' بلغة القرآن بعد ذلك، وأن الروح سوف تعود إلي جسدها في حياة أبدية، وليست مؤقتة كحياة الإنسان الأولي، لذلك اخترع المصريون القدماء فن تحنيط الجسد لكي تعود إليه الروح في حياته الثانية. وأن مصير الإنسان في حياته الثانية 'الخالدة' يتوقف علي أعماله في الحياة الأولي، ولذلك صورت الحضارة المصرية ميزان 'ماعت' لكي يوضع قلب الإنسان علي احدي كفتيه، وعلي الكفة الأخري تمثال يجسد الحقيقة.
الواقع أنه ليست الحضارة المصرية القديمة وحيدة في مثل هذا الاعتقاد، فهناك حضارات أخري شاركتها المعتقد ذاته مثل الحضارتين الصينية والفارسية، لكن الحضارة المصرية أقدمها. والحضارة الاسلامية أكبر هذه الحضارات التي بنيت علي هذا المعتقد. ويؤكد القرآن ويفصل الإيمان ب 'اليوم الآخر'، والحساب والعقاب، والجنة والنار. لذا كان بناء دور العبادة من أكبر منجزات الحضارتين المصرية القديمة والإسلامية: المعابد هناك، والمساجد هنا. فهذه الدور هي صفوة الأماكن التي يلتقي فيها الانسان بربه. وفيها يتوسل الانسان بصلاته ودعائه إلي ربه لكي يحسن إليه في حياته الأخري 'الأبدية'.. وبالتالي لم يكن هناك كبير اهتمام في هاتين الحضارتين بتخليد البشر أو آثارهم في حياتهم الأولي. ولماذا يخلدون وهم مجرد عابري سبيل؟ أو 'عابرون في كلام عابر' كما أطلق الشاعرالفلسطيني محمود درويش علي احدي قصائده. جل اهتمام الانسان في هاتين الحضارتين هو العمل علي رضاء الرب بأشكال شتي، والاستعداد للحياة الأخري. وكل حضارة صورت مظاهر هذه الحياة الأخري علي طريقتها.
أما الحضارة اليونانية الرومانية فلقد بدأت بعيدة عن الأديان السماوية، ومختلفة أيضا عن الحضارة المصرية القديمة رغم عبادة مواطنيها لآلهة تتشابه في وظائفها مع آلهة مصرية. وقد اعتمدت هذه الحضارة علي العقل ، واعتقدت في القوة، ومجدت جسد الإنسان، وليس روحه، واعتبرت أن جسد الرجل القوي ذا العضلات هو النموذج الكامل للجمال. لذا نشأت فيها فلسفة خاصة تقوم علي الرياضيات والمنطق.. من هذه الأسس الفلسفية الرياضية انطلقت الحضارة اليونانية الرومانية لتقيم مجد الإنسان علي الارض وليس في السماء، أنجبت علماء في الفلك والرياضيات والطبيعة والكيمياء وغير ذلك من العلوم المعروفة في وقتها ليبحثوا ويبتكروا وينجزوا، مثلما انجبت القادة العسكريين الذين انطلقوا بجيوشهم ليغزوا مناطق أخري ويكونوا امبراطورية يونانية ورومانية في القارات المعروفة في ذلك الوقت: أوربا وأفريقيا وآسيا. من هذه الأسس المادية للحضارة اليونانية الرومانية انطلقت فنون التصوير والموسيقي والرقص ليأخذها عنها العالم كله فيما بعد. وقد بدأت الحضارة الإسلامية نهضتها بالترجمة عن تراث الحضارة اليونانية الرومانية في الدولة العباسية.
عندما ظهرت المسيحية حاربتها الامبراطورية الرومانية في البداية، وحتي بعد أن دخل الامبراطور المسيحية وانتشرت هذه الديانة في بقاع الامبراطورية لم تغير من الطبيعة المادية للحضارة اليونانية الرومانية كثيرا.. لكن هذه الحضارة ذاتها أخذت في الافول. ودخلت في عصور من الظلام اطلقوا عليها 'العصور الوسطي'. اختفت منجزات الحضارة التي انتقلت الي حضارة أخري هي الحضارة الاسلامية.
هكذا ماتت الحضارة اليونانية الرومانية. لكن لم يمت أحفادها، كانوا في ظلام، وعاشوا في حروب، لكنهم لم ينقرضوا مثلما كاد الهنود الحمر أن ينقرضوا تماما. ولم يتحولوا عن دينهم مثلما تحول المصريون عن ديانتهم القديمة مرتين بعدها: مرة الي المسيحية، ومرة أخري الي الاسلام. ولم تمت منجزات الحضارة بل بنيت عليها منجزات أخري في عصور الحضارة الاسلامية.
ثم أخذ أحفاد اليونان والرومان يستفيقون من جديد. وجدوا المسيحية تظلهم فاتخذوها منطلقا لاستعادة أمجادهم العسكرية والثأر ممن هزموهم من قبل: فتخلصوا من الدولة الاسلامية في اسبانيا، وحاولوا استعادة الامبراطورية الرومانية القديمة، ولكن باسم المسيح هذه المرة، بغزو الشام والقدس ومصر فيما عرف بالحملات الصليبية. وفي وقت متأخر­ وبعد نشوء الدول القومية في اوربا­بدأوا في تكوين الامبراطورية من جديد بشكل مختلف، وعلي حساب الحضارة الإسلامية التي أخذت في الموات بدورها.
فتقاسمت العاصمتان الجديدتان­ لندن وباريس­ للامبراطورية الجديدة 'الاوربية' مناطق الامبراطورية القديمة 'الرومانية'. ويمكن القول أن لندن وباريس حلتا محل روما والقسطنطينية عاصمتا الامبراطوريتين الرومانية الغربية والشرقية. ودخلت عواصم اوربية أخري­ مثل مدريد وبروكسل وحتي روما­ علي خط الامبراطورية الجديدة، واستعمرت مساحات أخري من الاراضي في افريقيا، لكنها كانت مستعمرات هامشية بالنسبة للامبراطورية الجديدة. فيما اكتشف بحارة أسبان عالما جديدا تماما علي الامبراطورية القديمة: الامريكتان.
فيماركزت اسبانيا والبرتغال علي غزو واستعمار: امريكا الجنوبية والتي اصبحت لاتينية بسبب الغزو الاوربي. تخلصت احدي عواصم الامبراطورية الاوربية الجديدة من سجنائها بشحنهم في مراكب الي امريكا الشمالية فحلت مشاكلها الامنية، وبالتالي مشاكل مدنية أخري، علي حساب اكتشاف العالم الجديد. وكان ذلك من عوامل تقدم الامبراطورية الجديدة 'الاوربية'.. لم يكن الغزو العسكري، والاستعمار، من عوامل التقدم الرئيسية للامبراطورية الجديدة، لكنه كان عاملا مساعدا بلاشك بما وفره من موارد بشرية ومادية ااقتصادية لشعوب الامبراطورية الجديدة.
لكن العامل الاساسي والاهم كان التقدم في العلوم النظرية والتطبيقية والتي بنيت عليها الحضارة الصناعية الاوربية. وقد عاد أحفاد الحضارة اليونانية الرومانية الي أسس حضارتهم القديمة لكي يبدأوا منها حضارتهم الحديثة. ليس في الفلسفة والمنطق فقط، ولا في العلوم الأخري فقط، بل حتي في الفنون. فبدأت النهضة الاوربية بالعودة الي الفن الكلاسيكي الروماني وسموها 'الكلاسيكية الجديدة'.
ومن حسن الحظ أن نفعتهم ما بنته الحضارة المسيحية من كنائس وأديرة في الحفاظ علي تراثهم الفني، ليس فقط في فنون التصوير كالفرسك والتصوير الزيتي وفنون الحفر الغائر والبارز، وليس فقط في فن العمارة، بل ايضا في الموسيقي. فبدأت النهضة الفنية الاوربية الحديثة باستعادة الموسيقي الكنسية والبناء عليها لابتكار قوالب موسيقية أخري فيما عرفت من كونشيرتو، وسيمفونية وغيرهما. وغني عن القول أن الفنون هي من أبرز وأجمل­ بالطبع­ منجزات أية حضارة، وهي ايضا من أقوي الوسائل في التعبير عنها.. وهكذا تشكلت ما يمكن أن نطلق عليه 'الأسس الثقافية للحضارة الاوربية'. وهي كما رأينا متصلة بالأسس الثقافية للحضارة اليونانية الرومانية القديمة أو هي امتداد وتطوير لها.
وقد سعدت بمصادفة وأنا أكتب هذه السلسلة من المقالات أن أجد في مكتبتي كتابا قديما لم أقرأه من قبل. ولكنه مهم فيما أكتب فيه. بل ان عنوانه هو ما ذكرته قبل بضعة اسطر مع اختلاف كلمة واحدة: 'الأسس الثقافية للحضارة الصناعية'. كتبه 'جون نيف' وهو مؤرخ أمريكي متخصص في التاريخ الاقتصادي­ هل لدي العرب متخصص في هذا النوع من التاريخ؟­ ولد سنة 1899 في شيكاغو. وقد ترجم هذا الكتاب الي اللغة العربية مترجم محترم هو الفلسطيني الدكتور محمود يوسف زايد­ ولد سنة .1923 وصدرت الترجمة العربية عن دار الثقافة في بيروت بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين سنة .1962 والكتاب اصلا عبارة عن مجموعة من المحاضرات ألقاها المؤلف في جامعة كوينز في بلفاست عام ..1956
ذكر هذه التواريخ التي قد يراها البعض زائدا هو ذو معني مهم ومفيد لفهم ما جاء في الكتاب. ولقد وجدت من المفيد ايضا أن اعود اليه في الاسبوع القادم.

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
الصفحة الأولي
مقالات ورأي
تحقيقات
أخبار الناس
مساحة للرأي
أخبار عربية وعالمية
أخبار محلية
اقتصاد
رياضة
راديو وتلفزيون
حوادث وقضايا
إلي المحرر
الصفحة الأخيرة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: