|
|
|
|
56 | السنة - | 17472 | ه - العدد | 1429 | ربيع الآخر | من | 12 | - م | 2008 | إبريل | من | 18 | الجمعة |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:18:03 PM |
 |
الساعة - |
 |
4/17/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
السبت:
بعد منتصف الليل بقليل، كنت اقود سيارتي بطريق صلاح سالم عائدا الي بيتي في مدينة نصر. رأيت ان اختصر الطريق باختراق مقابر الغفير للوصول الي الاوتوستراد. ومن الطبيعي ان تكون المقابر هادئة كالعادة نظرا لطبيعة سكانها، فالضجيج من صناعة الأحياء وحدهم، خاصة اهل القاهرة.
ترامي الي سمعي من بعيد صوت طبل وزمر. اعتقدت في البداية انه راديو السيارة وعندما تأكدت انه مغلق ازدادت دهشتي وتساءلت في نفسي: أيدفنون الموتي في ظلام الليل علي ايقاع الموسيقي؟!
كانت السيارة قد قطعت اكثر من نصف الطريق داخل المقابر، ازداد الصوت علوا، واستطعت استخلاص بعض العبارات المصاحبة للموسيقي: النقطة. صاحب النقطة. المعلم علوان. الف مرة . سلام ديجيتال يا جدع للمعلم علوان !
تتبعت الصوت حتي قادني الي احد شوارع المقابر . اوقفت محرك السيارة ونزلت . هالني ما رأيت . انه فرح . عناقيد الاضاءة تتدلي علي جانبي الشارع الضيق الذي يصطف علي جانبيه احواش المقابر . مسرح يسد الشارع وعليه فرقة موسيقية كاملة. راقصة بدينة في نهاية العقد الرابع من عمرها تتلوي في دلال . تضحك فتكشف عن سنتها المكسورة . شعرها المصبوغ بالحنة يتطاير علي كتفي المطرب ذي الصوت الصخري الذي راح يزعق :
'الواد قلبه بيوجعه، عاوز حد يدلعه' !
فيشتعل حماس النساء ويطلقن الزغاريد التي يتردد صداها مدويا ليشرخ سكون المقابر.
علي الارض تكدست الموائد الخشبية في مواجهة المسرح. فوق كل مائدة مجموعة من زجاجات البيرة، ومنقد لزوم الولعة، وماشة وكل مستلزمات المزاج، الجوزة تدور علي سكان المائدة، وعبارة تتردد بعد كل نفس: مساء الخير!
بين حين واخر تباغت الفرقة الموسيقية المعازيم بسلام كالرعد تحية لضيف جديد وصل توا لتهنئة العروسين، ويتصاعد نشاز الموسيقي مع طقوس تقديم النقطة للراقصة حتي يستقر الضيف علي احدي الموائد وتحيته بشد الانفاس.
انهم الأحياء من سكان المقابر. واذا فكرت قليلا فستصل الي حقيقة مؤلمة وهي ان ما يفعلونه امرا لا يدعو الي الاستغراب. أليس من المنطق ان يحتفل المرء بزفافه في مسكنه؟ وان يقيم الحفل ويستقبل المهنئين امام هذا المسكن ؟
منطق اعوج فرضته ظروف سوداء.
ولكن.. ما ذنب الموتي الذين جاءوا الي هنا هربا من الدنيا من أجل الراحة الابدية ؟
الدخلاء لم يتركوهم في حالهم . اقتحموا مقابرهم . فرضوا عليهم جيرة شاذة . بدلا من المساواة التي كانوا يتمتعون بها في الدنيا،انقلب الحال . الدخلاء اصبحوا اكثر تميزا. استقروا فوق رءوس الموتي اصحاب المكان . جلبوا معهم كلابهم وآلامهم واثاثهم القديم.. وكل مشاكلهم . ملأوا المكان الهاديء ضجيجا وعراكا.. بل وافراحا !
لقد فرضوا علي الموتي مكابدة كل ما دفعهم يوما الي الهروب من الحياة.
ايها الأحياء.. رفقا بالموتي !
ثقافة الفهلوة
الأحد:
زمان.. كانت كلمة 'فهلوي' تطلق علي الولد البكاش الذي ينجح في بيع بضاعته للزبون بالسعر الذي يحدده رغم انها لا تساوي، ومع ذلك يقبل ويبتسم في وجهه ببلاهة، اي ان الفهلوة نوع من الغش، ولكن برضا الطرف المغلوب الذي نسميه نحن العامة 'كروديا'.
ثم هبت رياح التغيير، فاقتلعت قيما كثيرة من جذورها وتغير كل شيء. اصبحت مصر بيئة خصبة لنمو كل ما هو غريب وشاذ. وظهر ما يسمي
ب 'ثقافة الفهلوة'.
لم تعد الفهلوة حالة فردية، بل سمة مميزة للمجتمع، تم تقنين الفهلوة، اصبح لها اساس ومباديء، صارت ثقافة عامة يمارسها الافراد والشركات والمؤسسات.
لم يعد 'الكروديا' هو الذي اشتري البضاعة من الولد البكاش، بل هو المواطن البسيط في كل انحاء مصر. بتاع الكشري احترف الغناء فصار نجم النجوم، باع عربية الكشري واشتري مرسيدس، هجر العشة الي شقة علي النيل.. بالفهلوة !
الجزار سيطر علي صناعة السينما. تغير اسمه من 'المعلم' الي 'الباشا'.. بالفهلوة !
شركات الإسكان تقسم في اعلاناتها ان شقة محدود الدخل
ب 100 الف جنيه فقط لا غير.. ثم يتبين ساعة الجد ان السعر يصل الي ثلاثة اضعافه بالفوائد.. والفهلوة.
اعلانات في وسائل الاعلام الحكومية، تضمن الشفاء التام من اخطر الامراض بدون دواء ولا جراحة.. بالفهلوة.
فواتير الكهرباء والمياه والتليفونات ترتفع قيمتها من آن لاخر.. ويرتفع معها ضغط المواطن. اذا سألت عن السبب يأخذك الموظف المهذب الوسيم في دوامة تنتهي بإقناعك انهم علي حق.. بالفهلوة.
وما دامت الفهلوة هي المظلة التي نستظل بظلها فقد دخلت وبقوة الي مجال الرياضة، اصبح النشاط الرياضي علي المستوي القومي يدار بالفهلوة، فسبقتنا دول لم تكن علي الخريطة منذ 30 عاما. اخذت بالعلم والتخطيط.. وتركت لنا الفهلوة.
حتي في السياسة . أحزاب جديدة ظهرت بالعشرات. بعضها معارض للحكومة، واخري لا لون لها ولا طعم وكلها تمارس السياسة من خلال الفهلوة.
حاول ان تراجع أداء الحكومة خلال العشرين عاما الماضية ، والتصريحات الرنانة بشأن معالجة بعض المشاكل المزمنة، منها علي سبيل المثال ارتفاع الاسعار، البطالة، الاسكان، التعليم، محو الامية، تحديد النسل، العشوائيات وحماية النيل ، وغيرها ، حاول.. وستكتشف ان الحكومات المتعاقبة تمارس علينا الفهلوة .
بعد ان سادت الفهلوة واصبحت اسلوب حياة انقسم المجتمع الي فئتين: اقلية فهلوية تعتلي القمة.. واغلبية كروديات علي الأرض.
ولايزال الكروديا يبتسم ببلاهة في وجه الفهلوي !
كوميديا.. أم مأساة؟
الإثنين:
احيانا تختلط المأساة بالموقف الكوميدي الذي تولد فيه فلا يعرف المرء هل يضحك ام يبكي، تتجمد انفعالاته، يتأرجح بين الضحك والبكاء . حتي يجبره الموقف علي التعبير عن مشاعره رغما عنه. وقد اخترت ان اضحك.. واضحك حتي كاد يغمي عليٌ.
والحكاية ان سائق تريلا انكسرت ساقه اليمني ووضعت في الجبس فاستعان بعكازين يساعدانه علي الحركة، ولانه سائق، فهذا يعني انه سيتوقف عن العمل رغما عنه حتي يتم شفاؤه.
ولكن السائق رفض ما فرضته عليه الظروف. اختار سلوكا جنونيا لا يخلو من الطرافة، قرر ان يقود التريلا العملاقة بساق واحدة وعكاز !
استعان السائق ببعض اصدقائه، حملوه، ورفعوه الي ارتفاع اكثر من متر ونصف المتر، فتحوا باب التريلا، ووضعوه علي مقعد السائق، وعلي يمينه وضعوا العكازين، ودعوا له بالتوفيق !
اغلق السائق باب الكابينة وادار المحرك، واستعان بالعكازين بديلا عن ساقه المكسورة في تحريك التريلا، ثم انطلق بها علي الطريق السريع وهو يغني احتفالا بنجاحه، وارتفعت معنوياته فضغط بقوة بالعكاز علي دواسة البنزين . انطلقت التريلا علي الطريق كالوحش، وتجاوزت السرعة المقررة.
اوقفه رجال شرطة المرور.. تبين من الحديث الذي تبادله معهم من برجه العالي في كابينة التريلا انه لا يحمل رخصة قيادة ولا رخصة للسيارة.
عندما طلب منه الضباط الخروج من التريلا اجابه: صعب سيادتك.. ياريت اتنين من رجالتك ينزلوني!
شكر السائق الرجال الذين حملوه إلي الأرض . ورجاهم إنزال العكازين ايضا حتي يستطيع الوقوف ومواجهة تداعيات مغامرته ، وسط ذهول رجال الشرطة من هذا الموقف الذي يتسم بالجنون.. والطرافة !
قرأت هذه القصة في صفحة الحوادث 'بالاخبار' فضحكت طويلا، وتذكرت حكاية زميله سائق الشاحنة الذي يهوي الطبخ واعداد طعامه بنفسه، قبل ان ينطلق بالشاحنة في سفره الطويل علي الطريق السريع، اشتري اللحمة والبامية والطماطم والبصل وكل مستلزمات الطبخ، اشعل البوتاجاز الصغير الذي يرافقه في رحلاته ويستقر علي يمينه في كابينة القيادة.. بدأ بتسوية اللحم وبعد ان نضجت التقلية كان قد تم عصر الطماطم فأسقطها مع قليل من الملح والبهارات ووضع الغطاء فوق الحلة، ثم انطلق بالشاحنة علي الطريق تؤنسه الرائحة الذكية التي تعبيء الكابينة.
كان عليه ان يرفع الغطاء من آن لاخر ليتابع نضج البامية ويقوم بتقليبها بالمغرفة التي يحتفظ بها في الكابينة مع عدة الطبخ.
وفي احدي هذه المرات انحني ليرفع غطاء الحلة، فإذا بالطبخة في حاجة الي قليل من الماء، التقط زجاجة الماء بيده اليمني وبدأ يسكب بعضا في الحلة بحساب شديد بينما يده اليسري مثبتة علي مقود السيارة.
في هذه الاثناء مرت الشاحنة امام نقطة مرور، اصيب الضابط بالهلع عندما شاهد الشاحنة تنطلق علي الطريق بدون سائق، تبعها بدراجته النارية وهو يفكر في الكارثة المحققة التي ستقع توا، عندما اصبح في محاذاة الشاحنة شاهد رأس السائق تظهر بالتدريج في الكابينة، فقد عاد الي مقعده بعد ان اطمأن علي الطبخة، واعاد وضع الغطاء فوق الحلة!
امر الضابط السائق بالتوقف علي جانب الطريق. وعندما انفتح باب الكابينة تسللت الي انفه رائحة شهية، واكتشف بعد لحظات ان السائق جعل من كابينة الشاحنة مطبخا!
قبل ان يستجوبه الضابط بادره سائق الشاحنة: فضلة خيرك.. شوية بامية باللحمة يستاهلوا بقك!
خفة دم وطرافة قد تقود الي كارثة، ولكنك لا تملك معها سوي ان تضحك من القلب.. وشر البلية ما يضحك!
قل: 'الحمد لله'
الثلاثاء:
هل انت راض بما انت فيه ؟
هل انت قانع بما اعطاك الله؟
اذا كانت اجابتك ب 'نعم' فدعني اقول انك اسعد حظا من غيرك، لان حياتك يسودها الاطمئنان والامان، وتؤمن بأن الله وحده هو موزع الارزاق.
الرضا هو المفتاح الذهبي للنجاح في كل مراحل حياتك، لا اعني هذا النجاح في الدراسة ولا العمل، ولا شتي انواع المنافسات في الحياة، فكلها مشوبة بالتوتر والقلق، وقل ما تخلو من صراع يعكر صفاء النفس.
النجاح الذي اعنيه هو القدرة علي اجتياز رحلة الحياة القصيرة في أمن وسلام، بنفس راضية وقلب مطمئن، وصدر خال من الاحقاد. اي ان تنام نوما عميقا وهادئا . لا يعكر صفوه ندم علي الأمس . ولا خوف من الغد.
الرضا ليس صفة يكتسبها المرء بالتدريب، ولكنها هبة من الله. يمن بها علي عباده فيرون الدنيا من خلال منظار اخر يختلف تماما عما يراه الاخرون. وقد لا تكون راضيا في احدي مراحل حياتك، ولكن الله قادر علي ان يمنحك هذه الهبة الثمينة عندما يشاء.
سيتعاظم شعورك بالرضا اذا عقدت مقارنة بين حالك وحال اولئك الذين هم ادني منك، لا تقل ابدا انك الادني، تطلع الي من حولك بعين صادقة وستجد انك افضل حالا من ملايين غيرك.
قد يرضيني رغيف وقد ترضيك سيارة، وثالث قد يرضيه قصر منيف، ولكن اعظم هؤلاء واسعدهم حظا في الحياة هو الذي يرضي بأقل القليل، لقد اشتري الرضا النفيس جدا بثمن بخس جدا.. ما اسعده.
لا تنظر الي ما في يد اصحاب الملايين . لا تحسدهم علي اموالهم الطائلة وطعامهم الفاخر، وقصورهم ذات الحدائق، وسياراتهم الفارهة . ولكن حاول الاهتداء الي الطريق الذي سلكه النظيف منهم . تعلم من سيرته . تتبع كفاحه . دقق في الوسائل التي رفعته الي مرتبة اعلي منك . ستجد ان الرضا بالقليل هو الاساس الذي بني عليه ثروته ومكانته . وان يد الله هي التي رفعته الي اعلي.
ولكن.. احذر الخلط بين الرضا من جانب، والتقاعس والتواكل من جانب اخر . اعمل . اشق . كِد . قم بواجبك نحو الله ، والناس ، ونفسك وعملك، لا تتلهف علي النتائج في نهاية نهارك.. وانما قل: الحمد لله، ونم ملء جفونك.
لا تنس ان الرضا والأمل في الغد متلازمان دائما. احساسك بالرضا سيتعاظم كلما كان أملك في الغد خالصا وقويا. اذا اسودت الدنيا في عينيك يوما قل لابأس، فدوام الحال من المحال . قل ان غدا سيكون افضل. واذا لم يكن الغد افضل فلا تيأس. فما اكثر ايام الغد. الغد يأتي دائما ولا يتأخر عن موعده ابدا.
الأمل كنز ثمين.
الأمل هو الوقود الذي تشحن به ذاتك لمواجهة الحياة بحلوها ومرها.
الأمل يمدك بطاقة هائلة لا تنفد ابدا.
انها تجربتي مع الحياة.
|
|
|
 |
|
|
|