|
|
|
|
56 | السنة - | 17488 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 2 | - م | 2008 | مايو | من | 7 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
9:22:18 PM |
 |
الساعة - |
 |
5/6/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
الأربعاء :
من هو الفرعون؟.. هل هو الملك الإله؟.. هل هو الامبراطور الذي يتربع علي عرش دولة عظيمة القوة، مترامية الأطراف، مرهوبة الجانب؟.. هل هو الديكتاتور المستبد الجبار، الذي يخشاه شعبه، ولايجرؤ أحدمن رعاياه علي معصيته؟.. هل هو المحارب العنيد، والمقاتل الشجاع، الذي لا تنكسر له شوكة، ويحسب له أعداؤه ألف حساب؟.. هل هو الحكيم، الطيب، العطوف، المتدين ، الذي ينصر المظلوم، ويأخذ بيد الضعيف، ويحقق الأمان، ويقيم العدل بين الناس؟..
إن لقب 'الفرعون' له وقع يثير الاحترام في نفس كل من يسمعه في جميع انحاء العالم، لأنه يقترن بأسماء ملوك مصر، صاحبة أقدم حضارة عرفتها البشرية، ويوحي بالعظمة والشجاعة والقوة والحكمة والتبجيل.. ولقد ترك بعض 'فراعنة' مصر القديمة، الذين حققوا شهرة واسعة عبرالتاريخ، صورا وتماثيل لهم، علي درجة رفيعة المستوي الفني.. والحقيقة أن الذي يتأمل تلك الصور والتماثيل الموجودة الآن في المعابد، والمتاحف، سيجد جسد 'الفرعون' يبدو رائعا مكتملا، عملاق القامة، ذراعاه ممدودتان علي جانبيه..و غالبا يبدو وقد تقدم بقدمه اليسري إلي الأمام، وكأنه يهم بالسير، وكعباه مستقران تماما فوق الأرض.. ومن الملاحظ أيضا أن أجساد الملوك واضحة الرشاقة، وغالبا ما تتسم بالسمة الرياضية، ولا يلاحظ بها أي مغالاة أو تطرف في إبراز التفاصيل الجسدية الدقيقة.. وبصفةعامة فإن جسد 'الفرعون' كما يبدو في التماتيل والصور ينم عن اعتدال وتناسق كامل..
وإذا كان علماء الاجتماع والسياسة، عندما يتصدون لدراسة حضارة وادي النيل العريقة، يطرحون العديد من القضايا، والكثير من الوثائق المهمة التي تتضح من خلال صورة 'الفرعون' بشخصيته الشامخة المهيبة، مهيمنا علي دولة راسخة التركيب، قوية البنيان، فإن كل النصوص القديمة والتماثيل والأشكال الكثيرة، التي لا تعد ولاتحصي، تعمل علي تأكيد معالم قوة 'الفرعون' ونفوذه.. ولعل الدراسة الجادة العظيمة التي تم طبعها في أحدث كتاب صدر في باريس تحت عنوان 'الفرعون وأسرار السلطة'، وقامت بها 'ماري آنج بونيم' و'آني فورجو'، سوف تشبع نهم الكثيرين الذين يتوقون إلي الاسترشاد بنصوص موثوق بها لمعرفة المزيد عن تاريخ الفراعنة في مصر القديمة..
إن 'ماري آنج بونيم' و'آني فورجو' من علماء الآثار الفرنسيين البارزين، وتقومان بالتدريس الجامعي في باريس، وتجيدان قراءة النقوش الهيروغليفية وترجمتها، وهما علي دراية تامة بالمواقع و المنشآت الأثرية، وتلمان ألماما كاملا بالاكتشافات الحديثة.. ولذلك فإن كتابهما 'الفرعون وأسرار السلطة' الذي قام باصداره المركز القومي للترجمة، يعتبر اضافة لهاقيمتها الكبيرة للمكتبة المصرية.
وفي هذا الكتاب الرائع تحاول المؤلفتان الإجابة عن السؤال الذي يتعلق بسر عظمة الفرعون بوجه عام من خلال البحث في أعماق تكوين شخصيته، وأسباب اختياره والتسلسل العائلي له وكذلك عن معاني ألقابه وصفاته، وحياته الخاصة والعامة.. وعلاقته الوطيدة بالإله وبأسرته وبالمجتمع، وكذلك مظهره الخارجي والداخلي، والحياة في قصره..ونشاطه الحربي، والتجاري والمعماري.
ويقول الدكتور محمود ماهر طه الذي قام بمراجعة ترجمة الكتاب، أن المؤلفتين قامتا بتناول الملكية الفرعونية بأسلوب علمي رائع، أضاء كثيرا من الجوانب لاظهار شخصية الفرعون بشكل واضح.. أما الأديبة فاطمة عبدالله محمود التي قامت بالترجمة فتستحق الثناء علي ماتقوم به من ترجمات عديدة بلغت العشرين كتابا، تنحصر جميعها في كتب المصريات.
الفرعون ليس ديكتاتورا
إذا كان بعض الفراعنة قد اشتهر بالقسوة، والصرامة والعنف، فإن منهم من اشتهر بالطيبة المفرطة مثل 'سنفرو' والد 'خوفو' صاحب الهرم الاكبر.. ولم يكن 'سنفرو' ملكا عظيما محبا للعمران والبناء فقط، بل كان محبوبا ممن حوله، ومن رعيته، وكان مشهورا بالعدالة والسماحة.. وتشير النصوص التي تركها الملوك الذين جاءوا بعده بأن المصريين قاموا بتقديسه بعد وفاته بأكثر من ستمائة عام، وأن هؤلاءالملوك اختاروا منطقة دهشور التي شيد فيها 'سنفرو' هرمين، ليقيموا فيها أهراماتهم ليكونوا علي مقربة منه تيمنا بقداسته وهناك بردية شهيرة كتبت بعد وفاته بأكثر من سبعمائة عام يسميها علماء الآثار ب 'قصة خوفو والسحرة' أو 'بردية وستكار'، وهي من القصص الشعبية الآدبية الشهيرة التي كان يتداولها المصريون خلال الدولة الوسطي في القرن العشرين قبل الميلاد. تتلخص في أن الملك 'خوفو' طلب من ابنائه أن يحكي كل منهم حكاية عن السحر وما يستطيع أن يفعله الساحر.. فأخذ كل أميريتحدث عن أحد السحرة في عهد كل ملك من الملوك السابقين 'لخوفو' ابتداء من الملك 'زوسر'.. وعندما وصلوا إلي ذكر الملك 'سنفرو' حرص كاتب القصة علي اظهار طيبة قلب الملك، وعطفه علي من حوله وحلمه ووداعة أخلاقه واستخدامه أرق الألفاظ عند الحديث مع أفراد الحاشية.
وتقول القصة أن الملك 'سنفرو' كان ذات يوم حزينا.. فاقترح عليه كبير المرتلين، وكان يسمي 'زازا معنخ' أن يركب قاربا، حتي ينشرح قلبه حين يري الحسناوات يجدفن ذهابا وإيابا، ويشاهد الأماكن اللطيفة حول البحيرة.
أمر الملك بإعداد القارب، وزوده بعشرين مجدافا من الأبنوس المرصع بالذهب.. وكان مسرورا وهو يري الحسناوات يجدفن، لكن سقطت من إحداهن قطعة حلي في ماء البحيرة فتوقفت عن التجديف وتوقفت ايضا بقية الحسناوات.. وعندها طلب الملك استئناف التجديف ووعد الحسناء بتعويضها عن قطعة الحلي التي فقدتها، رفضت طلبه، وتمسكت بالقطعة التي سقطت في الماء.. عندئذ طلب الملك إحضار كبير المرتلين الذي تلا تعزيمة سحريةجعلت ماء البحيرة ينشق فظهرت قطعة الحلي في القاع، وإلتقطها الساحر وأعطاها إلي صاحبتها، ثم تلا تعزيمة أخري ردت مياه البحيرة إلي أصلها.. وقضي 'سنفرو' بقية اليوم في سرور.
وهذه القصة تدل علي مدي طيبة الملك في تعامله مع احدي جواري قصره، ومدي صبره علي تنفيذ رغبتها بعد أن رفضت طلبه بمواصلة التجديف، وهو 'الفرعون' الذي تعتبر كلمته أمرا نافذا.
ويقول الدكتور محمود ماهر طه، في تقديمه لكتاب 'الفرعون وأسرار السلطة' أن الملوك في مصرالقديمة لم يكونوا يميلون إلي الديكتاتورية في اتخاذ القرارات، وانما كانوا يفضلون استشارة رجال الدولة، وللملك بعد ذلك ان يختار القرار الصائب..
وعلي سبيل المثال نجد أن الملك 'كامس' أخو الملك 'أحمس' محرر مصرمن الهكسوس، يذكر أنه استشار رجال قصره قبل حربه ضد المحتلين، وأنهم قد آثروا السلامة والتعايش مع العدو الأسيوي المحتل، إلا أن رأيهم هذا أحزن قلب الملك، وصاح فيهم أنه سيطرد هذا الذي يشاركه الحكم، وأنه سيذهب إلي الشمال لينقض علي العدو وأنه واثق أن النصر آت.
وفي عصر الملك تحتمس الثالث، أعظم ملوك مصر المحاربين علي وجه الإطلاق، نجده يستشير مجلس حربه عندما ذهب لملاقاة العدو في مدينة 'مجدو' في الشام.. وكان أمام تحتمس الثالث ثلاثة طرق، اثنان منها يدوران حول سفح جبال 'الكرمل'، أما الطريق الثالث فهو مباشر الي مدينة 'مجدو'.. وكانت نصيحة القادة له بعدم المخاطرة بسلامة الجيش إذا اختار الطريق الثالث لأنه ضيق ولا يتسع إلا لمسيرة عربة واحدة.. ولكن تحتمس اتخذ القرار الصائب،و أقسم أن يكون في طليعة الجيش، وأن يسير علي قدميه.. وكانت مفاجأة للعدو الذي استبعد اختيار جيش الفرعون للطريق الضيق.. وحقق تحتمس انتصارا باهرا تم تدريسه بعد ذلك كنموذج من نماذج الخداع في الحرب.
الفرعون متدينا..
كان الملوك الفراعنة يلقبون انفسهم باسم 'أوزيريس' في العالم الآخر.. ولقد كان 'أوزيريس' وهو العادل الرحيم لايأبه إلا بالحق.. ولا يدخل جنته إلا من حسنت سريرته، وتطهر قلبه، وابتعد عن أذي البشر.. وهو لايفرق بين غني وفقير.. وجنته فقط لمن أحسن واتقي ولم يظلم احدا، في حين أن الجحيم والعذاب لمن قام بعمل السوء، ولا شفاعة لمال أو قرابين يقدمها أهل الميت، أو صلوات يتلوها كاهن له.
وعن تدين بعض الملوك الفراعنة، لابد من الحديث عن 'اخناتون' صاحب ديانة التوحيد، الذي نادي بإله واحد، وأمر بأزالة كل ماهو موجود في النصوص السابقة، التي تشير الي تعدد الآلهة، وهو بذلك قد قام بتصحيح الأفكار التي زرعها الكهنة عن تعدد أشكال الآلهة، وقال أنه يعود بالعبادة إلي الأصول القديمة حيث كان الإله واحدا..
وكان اخناتون يقول في ابتهالاته:
'أيها الإله.. ما أعظم أعمالك.. أنها خافية علي البشر.. أيها الإله الأوحد الذي لاشبيه له.. لقد خلقت الدنيا كما شئت، عندما كنت وحدك، الناس والماشية والوحوش الضارية، وكل ما علي الارض يسعي علي قديمه، وكل ما يرتفع في السماء يطير بجناحيه.. أنت الذي صنعت الدنيا، وخلقت البشر كما شئت أن تصورهم.. ويعيش الإنسان فقط إذا أردت'
الفرعون لم يكن إلها!
تقول 'ماري آنج بونيم' و'آني فورجو' في ختام كتابهما الفرعون وأسرار السلطة أن 'الفرعون' لا يعتبر ملكا إلهيا.. ولكن يمكن اعتباره من الملوك الكهنة.. أي أن دوره ينبثق أساسا من مسئوليته الدينية تجاه الآلهةوهو لا يستطيع أن يتفهم مسببات الظواهر الطبيعية لأنه ليس سوي إنسان شأنه شأن أي أنسان آخر ، لكن القداسة التي حظي بها الفراعنة، هي قداسة الوظيفة الملكية، وليست قداسة الجسد الملكي.
ولاشك أن هناك اختلافا بين طبيعة الإله والفرعون، بل هناك تباين واضح.. ولقد كان عامة الناس يمجدون الملوك ويبجلونهم وكأنهم آلهة.. واذا كان الفرعون يتجلي شخصيا داخل قصره، أو خلال بعض تنقلاته، فإن مظاهر البهجة والسرور التي يتم احياؤها في صدور الذين يشاهدونه، تكاد تقارب الاحساس بالإجلال والتوقير الصوفي.
وبالنسبة إلي أصول 'فن التعامل والذوق' الذي كان يتبع في اطار القصورالملكية، لم تسهب المصادر كثيرا، وتقول المؤلفتان أن بعض المتمتعين بالحظوة الملكية كانوا يتمتعون بما عرف وقتئذ ب 'حق المقدم'، وربما يجعلنا ذلك نستنبط أن معظم كبار موظفي المملكة كانوا يمثلون أمام الفرعون ويتعاملون معه وهم في وضع السجود، أو الانبطاح علي الارض..
وتقول المؤلفتان: 'إذا حاولنا من ناحيتنا، بواسطة المصادر المصرية، إعادة تصوير يوم كامل في حياة 'الفرعون'، فقد لا يثمر ذلك شيئا يذكر.. ولكن بوجه عام نستطيع أن نقر بالملحوظات التي ذكرها الفلاسفة الإغريق عن دقة القواعد التي تهيمن علي أوجه نشاط الفرعون وصرامتها.. فقد كانت هناك مواعيد محددة سواء لعقد اجتماعاته وفرض قوانين العدالة، بل لنزهاته وتريضه، ولاستحمامه أو لرقاده مع زوجته.. وجملة القول، أن كل شيء في حياة الفرعون كان محددا تحديدا دقيقا.
وربما يكون الاستمرار في تقصي حقيقة الهوية الفرعونية علي مستوي الجوهر لا يجدي نفعا.. ولكن قد تعمل المحاولة المرتكزة اساسا علي التشابه والتماثل للإحاطة بالصفات والسمات اللا نهائية المدي التي يحظي بها 'الفرعون' علي اكتشاف عالم من التفهم والادراك..وبفضل هذه الاعمال التقريبية، سوف تتراءي الدراسة الخاصة بالملكية الفرعونية، التي لم تتناولها ابدا العقلية المصرية القديمة!!
|
|
|
 |
|
|
|