دنيا ودين
'وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون'
بقلم السفير :
د. فتحي مرعي
دوافع الناس إما الله والدار الآخرة، وإما الناس والدنيا.. لا تخرج عن هذين.. وفي ذلك تفصيل علي الوجه التالي:
الذي دافعه في الحركة والنشاط والسعي هو الله والدار الاخرة قد اختار ما يجلب له الرضا في الدنيا والسعادة في الاخرة.. ولن يندم علي هذا الاختيار ابدا فهو مستمسك بالعروة الوثقي
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ
' 'لقمان'
ومن يسلم وجهه الي الله وهو محسن اي من يتجه الي الله بقلبه ويفوض اليه جميع امره وهو محسن في ادائه قولا وعملا فقد تعلق باقوي الاسباب التي توصله الي رضا ربه، وإليه سبحانه مصير الامور كلها.. والمؤمن في هذه الحالة علي بينة من ربه، قلبه مطمئن بذكر الله والملائكة تتنزل عليه وتبشره بالجنة، فمم يخاف؟!
'إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا
مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
' 'فصلت'
اما الذين دافعهم الناس والدنيا، فامرهم مختلف جملة وتفصيلا، اهواؤهم مختلفة ومشاربهم ايضا.
منهم من يعمل كل ما في وسعه لابهار الناس علي اي وجه من الوجوه وقد يخاطر بحياته من اجل انتزاع الاهات والشهقات من افواه الناس وحناجرهم ومن قبيل ذلك ان يقود سيارته باقصي سرعة ممكنة ليسجل ارقاما قياسية او ليسبق غيره.. وحادث طريق المطار مثل حي علي ما نقول، اثنان من الشباب يتسابقان بسيارتيهمافي طريق المطار، وينتهي بهما الامر الي قتل واصابة عدد من الناس كانوا جالسين او واقفين في الجزيرة الوسطي من الطريق، وانتهي بهما انفسهما الي السجن وإلي دفع تعويضات للقتلي والمصابين.. ومثل هذا كثير من قبيل الرغبة في ابهار الاخرين!
ومن الناس من يريد جمع المال بكل وسيلة وبدون انتقاء لما هو مشروع او مقبول، فطالما ان طريقا معينا يأتيه باموال وفيرة فهو طريق مقبول.. ايا كانت المحاذير وجمع المال هكذا يتحول الي سعار.. لا يبقي ولا يذر، ولا يسأل الواحد منهم لم اجمع كل هذا المال؟! وماذا سأفعل به؟! لا احد يسأل نفسه هذا السؤال وانما يتحول جمع المال الي ادمان.. والمدمن لا يسأل نفسه لماذا؟ والغريب والمثير للدهشة ان الفرد من هؤلاء يتمادي حتي يقع في الفخ..
ومن الناس من يريد الشهرة بأي ثمن وبأي كيفية.. وهو مستعد ان يلعب 'عجين الفلاحة' اذا كان ذلك سيأتي له بالشهرة او بمزيد منها.. وكلما زادت شهرته طمع في المزيد.. فلا يعود قادرا علي التوقف.. وفي سبيل ذلك يأتي افعالا تبدو غريبة او مستهجنة وهو لا يبالي حتي وان اصبح اضحوكة في اعين الاخرين وعلي ألسنتهم.
ومنهم من يريد السطوة.. بأي ثمن حتي لو كانت حياته هي الثمن في نهاية الامر.. بعض الناس قد يعتريهم مع الوقت جنون العظمة، هم يريدون ان يخيفوا الاخرين لدرجة ان تمتليء نفوسهم بالرهبة كلما ذكر اسمهم.. ويجسدون المثل الشعبي الذي يقول 'يا ارض اتهدي ما عليكي قدي' والملاحظ ان معظم هؤلاء تكون نهاياتهم مأساوية علي غير ما توقعوا.
ومن الناس من يمشون جنب الحائط 'كما يقال' ولا يهمهم ولا يشغلهم إلا استجلاب رضا الاخرين عنهم فهم في خدمة الغير دائما وطوع بنانهم ورهن اشارتهم، يحسبون كل صيحة عليهم!
ومنهم من يظهر المسكنة استدرارا للعطف عليهم والشفقة بهم وهم يبدون باقل من امكاناتهم الحقيقية ربما خوفا من الحسد '!' او توقيا لطمع الاخرين الاقربين او الابعدين فيهم اذا ظهروا بمظهرهم الحقيقي.
هؤلاء دوافعهم تدور بين الناس والدنيا.. تشغلهم الدنيا وتملأ تفكيرهم وتسد المنافذ عليهم الي الله والدار الاخرة.
والمؤكد مما نشاهده ونسمع به ان الدنيا قد أناخت عليهم بل وسخرت منهم، من جنس ما كانوا يفعلون.. وأن الناس قد اداروا لهم ظهورهم فلم ينالوا شيئا.. في حين ان من كانت مسألته الله والدار الاخرة يظفر برضا الله في الدنيا والاخرة.. ولا يحزنه شيء ولا يقلقه شيء فالناس والدنيا لم يكونوا قبلتهم.. والله عنده حسن المآب.
|