تطوير نظام الثانوية العامة لتخفيف أعباء الأسرة المصرية
الرئيس مبارك في افتتاح المؤتمر القومي لتطوير التعليم:
الرئيس مبارك يطرح إطارا لتطوير المرحلة الثانوية وسياسات القبول بالتعليم العالي
تحقيق تكافؤ الفرص وتخفيف العبء النفسي والمادي عن كاهل الأسرة المصرية
لا ينبغي أن يكون المجموع بالثانوية العامة المعيار الوحيد لقياس مستوي الالتحاق بالجامعات
متابعة:
أسامة السعيد
أكد الرئيس حسني مبارك ان تطوير التعليم يمثل ركيزة أساسية للإصلاح والتنمية وبعدا مهما من ابعاد الأمن القومي، مشيرا إلي ضرورة وضع مقترحات عملية لتطوير منظومة التعليم في مصر بمختلف مراحله تواكب التطورات الكبيرة التي شهدها المجتمع المصري والنمو الاقتصادي الذي تحقق.
ودعا الرئيس في كلمته التي ألقاها في افتتاح المؤتمر القومي لتطوير التعليم الثانوي وسياسات القبول بالجامعات أمس إلي بلورة إطار تنفيذي لتطوير التعليم تتوافر به ضمانات كافية لتحقيق تكافؤ الفرص وتخفيف العبء النفسي والمادي عن كاهل الأسرة المصرية وطمأنة أولياء الأمور علي مستقبل ابنائهم، واستعادة المدرسة لدورها التربوي والتعليمي وتحسين قدرات المعلم وتطوير المناهج.
كما دعا الرئيس إلي تحقيق المرونة والتكامل بين التعليم الثانوي العام والفني والأزهري والارتقاء بجودة التعليم الفني في مختلف مراحله وتطوير الثانوية العامة، وايجاد معايير إضافية لقياس مستوي الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي، بحيث لا يكون معيار المجموع في الثانوية العامة معيارا وحيدا.
وفيما يلي نص كلمة الرئيس:
الأساتذة والعلماء الأجلاء..
الإخوة والأخوات..
أتحدث إليكم في افتتاح مؤتمر قومي مهم.. يتصدي لقضايا تتصل بحاضر الوطن ومستقبله.. يتعامل مع تحديات حقيقية تواجه مجتمعنا.. ويخطو بجهودنا لتطوير سياسات التعليم خطوات جديدة.
إننا نمضي منذ سنوات في هذه الجهود.. مقتنعين بأن تطوير التعليم يمثل ركيزة أساسية للإصلاح والتنمية، وعنصرا حيويا في بناء نهضة الوطن، وبعدا مهما من أبعاد أمن مصر القومي.
وتذكرون أنني دعوت لمؤتمر قومي لتطوير التعليم العالي عام 2000، ولمؤتمر مماثل حول البحث العلمي عام 2005، خلصا لاستراتيجية قومية، تتأسس علي الجمع بين مفهومي إتاحة التعليم والارتقاء بجودته.. نمضي في تنفيذها.. وحققنا بصددها إنجازات عديدة.
إن إصلاح منظومة التعليم بمختلف مراحله.. كل لا يتجزأ.. كما انه كباقي مسارات الإصلاح ومحاوره عملية مستمرة.. ويأتي المؤتمر القومي الذي نفتتح أعماله اليوم.. ليستكمل ما حققه هذان المؤتمران، وليتناول حلقة مهمة ومفصلية من حلقات هذه المنظومة.
لقد كلفت الحكومة بعقد هذا المؤتمر حول تطوير التعليم قبل الجامعي.. في صلته الوثيقة بتطوير التعليم العالي.. ودعوتها لأن تطرح أمام المؤتمر قضية (الثانوية العامة)، بما تمثله من ضغوط علي الأسر المصرية، وفي علاقتها بتطوير النظام الحالي للقبول بالجامعات.
دعوت لهذا المؤتمر مقتنعا بالحاجة الماسة لمنظومة تعليمية متطورة.. تلبي متطلبات ما حققناه من النمو الاقتصادي والتنمية.. وما نتطلع لتحقيقه.. منظومة متطورة.. تفرز في مختلف مراحلها خريجين مؤهلين للوفاء بالاحتياجات الجديدة لسوق العمل.. ويمتلكون المهارات المطلوبة للتعامل مع تحديات المنافسة في الداخل والخارج.
طلبت من الحكومة أن تضع كل ذلك في الاعتبار، ودعوتها للإعداد الجيد لهذا المؤتمر بما يوفر له أسباب النجاح.. ولقد تابعت التنسيق في عمليته التحضيرية بين وزارات التعليم، والتعليم العالي، والقوي العاملة، والتجارة والصناعة، وممثلي القطاع الخاص واتحادات الصناعة ورجال الأعمال. كما تابعت مناقشات جلسات الاستماع ذات الصلة.. في القاهرة والاسكندرية وأسيوط.. وغيرها.. وما خلصت إليه من التوصيات المعروضة علي هذا المؤتمر المهم.
تساؤلات مهمة
الإخوة والأخوات..
إن علي هذا المؤتمر تشخيص الوضع الراهن بما يشهده من اختلالات.. كما أن عليه أن يخلص لخطوات التطوير المطلوبة لتصحيحها.. والقضايا المطروحة أمام هذا المؤتمر تثير تساؤلات عديدة.. تلخص في مجملها هذه الاختلالات، وما تفرضه من خطوات الإصلاح والتطوير.
لقد استمر النظام الحالي للثانوية العامة والقبول بالجامعات.. سنوات طويلة.. فهل يلبي هذا النظام الاحتياجات الحالية لمجتمعنا؟.. وهل يتوافق مع المعطيات الجديدة للواقع المصري.. باحتياجاته وتحدياته وتطلعاته؟
هل لدينا نظام مرن يحقق التكامل بين التعليم الثانوي العام، والتعليم الفني، والتعليم الجامعي؟ ويربط الخريجين في أعدادهم وتخصصاتهم بسوق العمل؟
هل يتيح هذا النظام لحملة الثانوية العامة.. العودة لاستكمال تعليمهم العالي بعد سنوات من حصولهم علي هذه الشهادة؟
هل ظل معيار (المجموع) معيارا وحيدا للالتحاق بالتعليم العالي؟ وهل يعكس هذا المعيار قدرات ومهارات وميول أبنائنا؟
إن 37 % من حملة الشهادة الإعدادية يلتحقون بالتعليم الثانوي العام.. يتجه 70 % منهم للدراسات الأدبية.. و30 % فقط لدراسة العلوم والرياضيات.. فهل هذا هو ما يحتاجه المجتمع؟ وهل تؤهل الشهادة الثانوية العامة خريجيها للالتحاق بسوق العمل؟
ويتجه 63 % من حملة الشهادة الإعدادية للتعليم الفني.. التجاري والصناعي والزراعي.. فهل هم أفضل حالا؟ أو أكثر توافقا مع احتياجات سوق العمل؟
ألسنا في حاجة لإعادة هيكلة ضرورية.. تطور نظام الثانوية العامة في المناهج، وأساليب التدريس، وسياسات التقييم والامتحانات والقبول بالجامعات؟ تؤهل حملة هذه الشهادة للالتحاق بسوق العمل.. وتوجه من يواصل تعليمه الجامعي للتخصصات المطلوبة بهذا السوق؟
ألسنا في حاجة ماسة لتطوير مماثل للتعليم الفني؟.. تطوير يربطه بشتي قطاعات الإنتاج والخدمات.. يرتقي بالتدريب المهني.. يوفر المهارات المطلوبة.. ويتيح لمن يشاء من خريجيه استكمال تعليمهم الجامعي.. وألا تدعو الحاجة لتطوير ثقافة المجتمع ونظرته للتعليم الفني ولخريجيه؟
لقد حان الوقت لتعامل جاد مع الفجوة القائمة حاليا.. بين منظومة التعليم قبل الجامعي والجامعي.. وبين سوق العمل واحتياجاته ومتطلباته الجديدة.
لدينا احتياجات متزايدة للخريجين المؤهلين للعمل بقطاعات السياحة والصناعة والتشييد والبناء.. وما يرتبط بهذه القطاعات من تخصصات عديدة وصناعات مغذية.
لدينا فائض في الخريجين من الأطباء والصيادلة علي المستوي المحلي.. يقابله نقص في أطقم التمريض.. لدينا أعداد متزايدة في كليات التجارة والحقوق والآداب.. يقابلها تراجع ما نحتاجه من خريجي كليات الزراعة.
إن التصدي لهذه الفجوة الحالية يمثل تحديا رئيسيا.. علينا أن نواجهه.. ومواصلة إصلاح منظومة التعليم بصفة عامة، والتعليم الثانوي والجامعي بصفة خاصة.. هو طريقنا لتحقيق ذلك.. وهو القضية بالغة الأهمية التي يتناولها هذا المؤتمر.
جودة التعليم
الإخوة والأخوات..
يظل هدفنا هو الارتقاء بجودة التعليم، وتحقيق لا مركزية العملية التعليمية.. ونحن لا نبدأ من فراغ.. وعلينا أن نحذو حذو غيرنا.. وأن نستفيد من التجارب الناجحة لنظم التعليم بدول العالم المتقدم.
لقد بلغ عدد المقيدين في التعليم قبل الجامعي العام الماضي.. نحو 17 مليون طالب وطالبة.. منهم 3 ملايين بالمرحلة الثانوية وحدها.
يتجاوز عدد المقيدين بالتعليم العالي 8،2 مليون طالب وطالبة، يمثلون 30 % من شبابنا ما بين 18 23 سنة، وسوف يتضاعف هذا العدد خلال العشرين عاما المقبلة.. لمواجهة الزيادة السكانية.. ولإتاحة المزيد من فرص التعليم العالي أمام شبابنا.
بدأنا مشروعات طموحة لإنشاء عدد من المجمعات التكنولوجية، بالتعاون مع بعض كليات التكنولوجيا المتقدمة بالعالم.. يتم تمويلها من صندوق تطوير التعليم، ويضم كل منها كلية للتعليم الصناعي، وأخري للتكنولوجيا، ومدرسة ثانوية فنية، ومركزا للتدريب المهني.
نمضي في إقامة مراكز جديدة للتدريب المهني.. وسط تجمعاتنا الصناعية في (الأميرية) و(حلوان) و(العاشر من رمضان) و(برج العرب).. وغيرها. كما نمضي في برامج لإعادة تأهيل 250 ألفا من شباب الخريجين، لتدريبهم علي تخصصات محددة يعملون بها فور الانتهاء من التدريب.
صدر قانون إنشاء الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد.. ولائحته التنفيذية.. بدأت الهيئة في ممارسة تكليفاتها، وتم تخصيص الاعتمادات اللازمة لتأهيل المؤسسات التعليمية للوفاء بمعايير ضمان جودة التعليم والاعتماد.
بدأنا تطبيق الكادر الخاص للمعلمين، اعترافا بدورهم وتقديرا لرسالتهم، ولتحويل التدريس من مجرد وظيفة إلي مهنة.. تقوم علي معايير مهنية محددة.. كما تم اتخاذ إجراءات لتحسين الأحوال المادية والأدبية.. لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات.
يجري حاليا إنشاء الأكاديمية المهنية للمعلمين، للارتقاء بمستوي أدائهم التعليمي والتربوي، كما تم إنشاء عدد من المراكز المعتمدة دوليا بالجامعات المصرية، تتولي تنمية قدرات أعضاء هيئات التدريس وصقل مهاراتهم.
نعم.. أقول إننا لا نبدأ من فراغ.. فلقد حققنا الكثير لتطوير منظومة التعليم، والارتقاء بجودة الخدمة التعليمية.. ويأتي هذا المؤتمر ليمضي بما حققناه شوطا جديدا علي الطريق.
تكافؤ الفرص
الإخوة والأخوات..
إن المشاركين في هذا المؤتمر.. هم نخبة من خيرة الأساتذة والعلماء وخبراء التعليم.. وإنني أدعوهم لبلورة إطار تنفيذي لتطوير التعليم الثانوي، وسياسات القبول بالتعليم العالي.
أتطلع لمقترحات عملية، تضع معالم هذا الإطار وهذا التطوير، وتأخذ في اعتبارها عددا من المحددات:
أولا: أن يحظي التطوير المنشود بتوافق عريض علي أهدافه وآلية تحقيقها.. وعلي السياسات والبرامج المطروحة والمراحل الزمنية لتطبيقها.. مع الالتزام بالشفافية في تقويم النتائج وتقدير الجدوي.
ثانيا: ان يمثل هذا التطوير قيمة مضافة لخدمة الاقتصاد القومي وجهود التنمية، تنعكس علي المجتمع أفرادا ومؤسسات.
ثالثا: ضرورة توافر الضمانات الكافية لتحقيق تكافؤ الفرص.. وتخفيف العبء النفسي والمادي عن كاهل الأسرة المصرية.. وطمأنة أولياء الأمور علي مستقبل أبنائهم.
رابعا: ضرورة استعادة المدرسة لدورها التربوي والتعليمي، وتحسين قدرات المعلم وتطوير المناهج، بما يتوافق ومتطلبات ما نسعي إليه من أهداف.
خامسا: الاهتمام بالعلوم والرياضيات واللغات الأجنبية وعلوم الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات.. وإفساح الطريق أمام الأنشطة الطلابية.. الاجتماعية والتربوية والثقافية.
سادسا: تحقيق المرونة والتكامل بين التعليم الثانوي العام والفني والأزهري.. وتمكين الدارسين من الانتقال بين أنواع التعليم الثانوي بمختلف مساراته.. وإتاحة الفرصة أمام الملتحقين بسوق العمل لاستكمال تعليمهم.. وتسهيل التنقل، خروجا ودخولا، بين سوق العمل والمستويات التعليمية المختلفة.
سابعا: الارتقاء بجودة التعليم الفني في مختلف مراحله، وتغيير ثقافة ونظرة المجتمع لهذا التعليم وخريجيه. وفي هذا الإطار.. فإن الحكومة مطالبة بدراسة ربط هذا النوع من التعليم بمنح رخص مزاولة المهنة في التخصصات الفنية المختلفة.. وتحسين الإطار الوظيفي والمعاملة المالية لخريجيه.. بما يجعل منه تعليما جاذبا للطلبة والطالبات.
ثامنا: تطوير المرحلة الثانوية.. وتخليصها مما يرتبط بها من أعباء نفسية ومادية علي الأسر المصرية، بسبب نظم الامتحانات التقليدية القائمة علي الحفظ والتلقين.. وبحيث تستبدل بها أساليب تقويم حديثة.. تنمي القدرات.. تحقق العدالة والموضوعية وترعي التفوق.. وتحمي ذوي الاحتياجات الخاصة.
تاسعا: إيجاد معايير إضافية لقياس مستوي الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي، بحيث لا يكون معيار المجموع في الثانوية العامة معيارا وحيدا، واستحداث آليات إضافية لقياس مهارات وقدرات أبنائنا في إطار من الشفافية والعدالة وتكافو الفرص.
عاشرا: أن يكون المنطلق لتطوير نظام القبول بالتعليم العالي.. مرتبطا برغبات الطلاب وقدراتهم ومتطلبات سوق العمل.. ومواكبا لإتاحة المزيد من فرص التعليم العالي المتطور.. لشبابنا وشاباتنا.
حادي عشر: ضرورة تناول موضوع التمويل باعتباره قضية أساسية في الإصلاح والتطوير المنشود.. والمشاركة التي نتطلع إليها بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي.. في التعامل مع هذه القضية.
نتائج ملموسة
الإخوة والأخوات..
إنني أطرح إشكاليات الوضع الراهن.. أمام هذا المؤتمر القومي وأمام الشعب، وأتطلع لأن تسفر مداولاتكم عن نتائج ملموسة.. تصحح الاختلالات القائمة.. وتضع التعليم بحق في خدمة المجتمع.
وأيا كانت النتائج التي ستخلصون إليها.. فإن نشر الوعي بضرورتها والاقتناع بها بين الأسر المصرية ومؤسساتنا التعليمية.. هو أمر لا غني عنه.. وهو الضمانة الحقيقية للنجاح في تطبيقها.
إن المضي في تطوير التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي.. يمثل تحديا كبيرا.. يتعين علينا جميعا أن نعي أبعاده وضرورته.
لقد نجحنا في تحقيق معدلات مرتفعة للاستثمار والنمو الاقتصادي والتشغيل.. نسعي للحفاظ عليها ومواصلتها.. باتت لدينا احتياجات جديدة ومتزايدة لسوق العمل.. ويشهد مجتمعنا واقتصادنا تحولات عديدة ومعطيات مغايرة.
إنني أدعو شبابنا وشاباتنا.. لأن يأخذوا كل ذلك في اعتبارهم.. عندما يختارون مسار دراستهم.. وعندما يحددون معالم طريقهم في حياتهم العملية.
أقول لهم ولأولياء أمورهم.. إن مصر تتغير لأن العالم يتغير من حولها.. وأقول إن ما نشهده من تحولات ومعطيات وتحديات جديدة.. وما نتطلع إليه من آمال وطموحات.. يحتم إعادة النظر في نواح عديدة من ثقافة المجتمع.. وإعادة ترتيب لأولويات وخيارات الدراسة والمستقبل العملي.. في عقول شبابنا وأجيالنا الجديدة.
وفقنا الله جميعا لما فيه الخير لمصر وشعبها..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
|
|