|
|
|
|
56 | السنة - | 17493 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 8 | - م | 2008 | مايو | من | 13 | الثلاثاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
8:46:08 PM |
 |
الساعة - |
 |
5/12/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
نظرة إلي المستقبل
آخر قرون الإنسان.. القرن الحادي والعشرون ؟ (17)
بقلم : سمير
غريب
sgharib@internetegypt.com
كنت أفضل اليوم مواصلة الكتابة في موضوع إلغاء تدريس مادة التربية الفنية في التعليم الثانوي وإهمالها في مراحل التعليم السابقة. لكني آثرت انتظار ما سيسفر عنه المؤتمر الذي وصفوه بالقومي لتطوير التعليم الثانوي وسياسات القبول بالتعليم العالي ، لنري ماذا فعل هذا المؤتمر فيما يتعلق بتدريس الفنون.
أعود للكتابة مرة أخري في موضوع احتمال أن يكون القرن الواحد والعشرين هو آخر قرون الإنسان علي الأرض ، ويمكنني أن أعود إليه في أي وقت فهو يشغلني كثيرا ، لسببين طرآ في الأسبوع الماضي : الأول هو ذلك الإعصار المدمر الذي ضرب بورما أو ميانمار وخلف مائة ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحي والمفقودين والمشردين لأول مرة في تاريخها. عندما يقع حدث بمثل هذا الحجم للمرة الأولي في بلد ما فلابد أن نتوقف أمامه مليا. فذلك يعني بوضوح أن الخطر الذي يهدد بقاء البشرية في هذا القرن أوضح من أن ينكر. وأنا مندهش ممن لا يخشون أو يتحسبون علي الأقل مما يحدث علي الأرض من تغيرات خطيرة سلبية ، لا تشمل المناخ فقط ، بل والعديد من المظاهر الأخري الأخلاقية والمادية علي حد سواء..
السبب الثاني هي الفرصة القيمة التي أتاحها لنا الصديق العزيز السفير عبد الرءوف الريدي ، من خلال المجلس المصري للعلاقات الخارجية ، لمزيد من الفهم لمأساة الإنسان علي الأرض في القرن الواحد والعشرين والتي تهدد وجوده ذاته ، وذلك بعرض فيلم نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور ¢حقيقة مزعجة inconvenient truth " للمرة الأولي في مصر ومترجما إلي اللغة العربية في نسخة وفرتها مشكورة الدكتورة أميمة كامل.
وهو الفيلم الذي اشرف آل جور(60عاما ) علي إنتاجه وشرح ما ورد فيه بنفسه ، حصل علي جائزة أوسكار الأمريكية لأفضل فيلم وثائقي ، وكذلك جائزة افضل أغنية أصلية. وبعد ذلك فاز آل جور واللجنة الدولية المعنية بالتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة مناصفة بجائزة نوبل للسلام عن عام 2007. وبذلك اعتبر المانحون لجائزة نوبل أن مشكلة التغيرات المناخية تصل لمرتبة المشكلات التي تهدد السلام العالمي ، وواقع الأمر أنها لا تهدد السلام فقط ، بل تهدد بقاء الإنسان علي الأرض كما أوضحت في هذه السلسلة من المقالات.
مثل فوز آل جور بهذه الجوائز لطمة للرئيس الأمريكي الحالي لأنه يرفض الانضمام للجهود الدولية في هذا المجال ، وبخاصة التوقيع علي اتفاقية كيوتو للحد من الانبعاثات التي ترفع درجة حرارة الأرض.
يعتبر إنتاج آل جور لفيلمه 'حقيقة مزعجة' الذي أخرجه دافيز جوجنهايم والجوائز التي حصل عليها تتويجا لجهوده في العمل علي إنقاذ الأرض من كوارث البيئة التي هي من صنع الإنسان. هذه الجهود التي تمتد إلي فترة طويلة وقبل تعيينه نائبا للرئيس. يذكر في الفيلم أن بداية اهتمامه بالبيئة تعود إلي صورة شاهدها عندما كان طالبا جامعيا وكان عنده أستاذ يدعي روجر ريفيل ، هو أول شخص اقترح قياس كمية ثاني اكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وبعد سنوات قليلة من جمع البيانات عرف بحدسه ما تعنيه وما كان يمكن أن تؤول إليه. فقاموا بتصميم اختبار في عام 1957 واستمروا في أخذ القياسات. بدءوا بإرسال بالونات في الجو كل يوم وسط المحيط الهادي. لأنها كانت المنطقة النائية أكثر. كان وقتا رائعا لآل جور كما وصفه. لأنه أصبح علي احتكاك بأفكار علمية مثيرة لم تدر بخلده من قبل ولا حتي في أحلامه. قام الأستاذ بعرض نتائج قياساته أمام التلاميذ، ووصفها آل جور بأنها كانت مروعة وتشربها تماما. ومنها الارتباط بين التغيرات الكبيرة في حضارتنا وما يشاهدونه حاليا في الغلاف الجوي. ونشر في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي كتابه 'الأرض في الميزان' وهو بالمناسبة مترجم إلي اللغة العربية وصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر.
لا أدري لماذا لم يعرض هذا الفيلم عرضا عاما في مصر من قبل ؟ ولماذا لم نفعل مثلما فعلت دول أخري حيث عرض الفيلم في مدارسها الثانوية وجامعاتها ، وجرت نقاشات عديدة حوله حضر بعض منها آل جور نفسه.. لماذا ؟؟ أعتقد أنكم تعرفون الإجابة.. حمل لي هذا العرض الخاص لفيلم آل جور الذي نظمه المجلس المصري للعلاقات الخارجية في مكتبة المعادي مفاجأة عربية غريبة سوف أكشف عنها بعد عرضي لهذا الفيلم.. لقد خرجت من مشاهدته متأثرا به ، رغم طوله الذي امتد لساعة ونصف ، ومعجبا بآل جور، وأكثر اقتناعا بما كتبته من قبل في هذه السلسلة من المقالات.
التأثر بالفيلم نظرا لمستواه الفني والعلمي المرتفع ، فهو يعرض للمعلومات بتوضيح متعدد الوسائل من خلال اللقطات السينمائية القوية ، والخرائط والرسومات البيانية ، بل والرسومات المتحركة 'الكارتون' ، فهو استخدم وسائل الأطفال لتفهيم الكبار ، واجادة توظيف عنصري الإضاءة والموسيقي بالذات في التأثير علي المشاهدين ، بما عمق الإحساس الدرامي ، وكأنك لا تشاهد فيلما تسجيليا. رغم أن الفيلم يقوم كله علي شرح آل جور لموضوعه في قاعات محاضرات جامعية. لكنه يبدأ بمشهد طبيعي خلاب لنهر يتدفق برفق تحيطه أشجار تهفهف أوراقها ، وفوقه طيور مغردة ، مما يبعث الراحة النفسية والعصبية في النفوس. كما مزج الفيلم بلطف بين الموضوع الأساس له ومشاهد من حياة آل جور الرسمية والشخصية. مثل مشاهد الانتخابات الرئاسية التي ترشح فيها آل جور ، وخسر أمام الرئيس الحالي جورج بوش الذي تجب محاكمته بتهمة الإبادة الجماعية ، وذلك علي موت وإصابة ملايين البشر في فلسطين وأفغانستان والعراق ، والولايات المتحدة نفسها من خيرة جنودها ، في حروب أمر بوش الجيوش الأمريكية بخوضها أو بدعمها.
ويلمح الفيلم إلي أن تلاعبا حدث في عملية فرز الأصوات في ولاية فلوريدا أدت إلي فوز بوش الابن بفارق ضئيل عليه. تماما كما يشكو سكان الدول المتخلفة والنامية من عمليات التزوير.
فماذا سيكون عليه أمر العالم لو فاز آل جور بالرئاسة ؟؟ هذا سؤال لا محل له بالطبع الآن ، ولكنه تعبير عن حسن ظن بالخاسر العظيم ، فربما كان سيجنب العالم والولايات المتحدة كوارث وقعت منها تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك. وإن كنت أشك في انه كان سيكبح جماح إسرائيل بالطبع !
ومعجبا بآل جور ، فأنا ربما كآخرين كثر ضعيف الثقة في رؤساء الولايات المتحدة ونوابهم نظرا لتاريخنا الحافل معهم المملوء بالظلم وسوء الفهم. لكن هاهو نائب سابق لرئيس أمريكي سيئ السمعة أيضا هو بيل كلينتون ، يبدو كإنسان بسيط ورائع ، يدافع عن قيم إنسانية نبيلة ، ويمتلك حسا بالفكاهة. ففي بدايات الفيلم يقدم آل جور نفسه بسخرية علي أنه الذي كان من المفترض أن يكون الرئيس التالي للولايات المتحدة ، وأنه لم يجد ذلك مسليا ، فتضج القاعة بالضحك والتصفيق.
وقد فهمت من الفيلم أن اهتمام آل جور بقضايا البيئة وحمايتها يرجع إلي مأساتين شخصيتين ألمتا به. فقد كانت أسرته تمتلك مزارع دخان ، وكانت له أخت أكبر منه بعشر سنوات يحبها كثيرا ، تعلمت التدخين ، فماتت بسرطان الرئة وهي لا زالت شابة. هذا الجزء من الفيلم يصلح وحده فيلما قصيرا يجب بثه في جميع محطات تلفزيون العالم للتحذير من التدخين ، أتصور أنه سيكون اكثر تأثيرا من تلك العبارات والصور البشعة التي يلصقونها علي علب السجائر. وبالمناسبة لي صديق اعتاد منذ وضعوا هذه الصور أن يضع علبة سجائره في علبة أخري عليها منظر طبيعي سويسري رائع!
وربما يرجع لهذا الجزء من فيلم آل جور فضل كبير في إعجابي به ، فأنا أيضا فقدت نصف حياتي وأحب من أحببت بسبب سرطان الرئة الناجم عن التدخين.. المأساة الثانية التي وقعت لآل جور هو فقده لابنه الطفل بسبب حادث تعرض له ، وبدت مشاهد الطفل وهو يلعب قبل الحادث ، ومشاهده مع والديه بعد إصابته ووفاته شديدة العاطفية.
إذن ، ها نحن أمام نائب رئيس أمريكي غرس الحزن بنفسه فيه وحفر مكانا له. وأحيانا ينعكس الحزن العظيم علي صاحبه بنبل عظيم ، ويتفرغ لخير الإنسانية كما فعل آل جور.
أما لماذا خرجت من الفيلم أكثر اقتناعا بما كتبت وذهبت إليه في هذه السلسلة من المقالات فسأوضحه الأسبوع القادم إن شاء الله.
|
|
|
 |
|
|
|