|
|
|
|
56 | السنة - | 17494 | ه - العدد | 1429 | جمادي الأولي | من | 9 | - م | 2006 | مايو | من | 14 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
9:22:56 PM |
 |
الساعة - |
 |
5/13/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
ستون عاما علي تأسيس إسرائيل.. وواقع متناقض
بقلم السفير :
د. السيد
أمين
شلبي
تحتفل اسرائيل ويحتفل معها العالم الغربي بما فيه الولايات المتحدة ممثلا في رؤساء دوله وحكوماته وكبار شخصياته بمرور 60 عاما علي تأسيس دولة اسرائيل محققة بذلك حلم المشروع الصهيوني ومؤسسها تيودور هرتزل بانشاء وطن قومي لليهودمن خلال تهجير ثلاثة ملايين يهودي مقابل اقتلاع ما يساويهم من الفلسطينيين وتشريدهم ووقوع المتبقين منهم تحت الاحتلال وفي معسكرات اللاجئين. وعلي مدي هذه العقود الستة لم يكف الفكر العربي عن مناقشة 'معني النكبة' سواء النكبة الأولي عام 1948، أو النكبة الثانية عام 1967، وكان المعني المباشر هو انحسار الوضع والوجود العربي امام صعود الوجود الاسرائيلي وانتشاره وهيمنته، وكان المعني المستخلص هو تخلف المقومات الحضارية العربية بمقوماتها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. ولاشك ان العرب وهم يراقبون احتفالات اسرائيل يدركون مدي ما وصلت اليه اسرائيل من قوة عسكرية بامتلاك اقوي الجيوش في المنطقة بل وربما في العالم، وقوة اقتصادية حققت وخاصة في السنوات العشرة الاخيرة، نموا اقتصاديا ثابتا، وبناءها لبنية تحتية قوية، وقدرات تكنولوجية وصلت الي اعلي مراحل التقدم في مجالات الطب والزراعة والتكنولوجيا الحيوية الي جانب جامعات ومؤسسات تعليمية مزدهرة. غير ان هذه الحقائق قد لاتمثل الا وجها واحدا من الصورة، اما الوجه الاخر فهو يمثل ما واجهته وتواجهه الدولة اليهودية من تحديات واشكاليات تتخلص في حقيقة ثابتة وهي استمرار افتقارها للامن وتعرض ما تحققه للمقاومة من واقعها وبيئتها سواء المباشرة مع الفلسطينيين أم مع واقعها العربي وربما الشرق اوسطي الاوسع. ففلسطينيا لم يستسلم الفلسطينيون للاحتلال واستلاب وطنهم ونظموا، وخاصة بعد حرب 1967 مقاومتهم المسلحة للاحتلال وهي المقاومة التي تبلورت في انتفاضتين شعبيتين جسدتا رفض الشعب الفلسطيني للاحتلال ومقاومته وجعلت اقساما من المجتمع والشخصيات السياسية والفكرية الاسرائيلية تعيد النظر في مفاهيم تبنتها النخبة الاسرائيلية مثل مفهوم ارض بلا شعب، وجعلت شخصية سياسية وعسكرية مثل اسحق رابين ينبه الاسرائيليين الي انهم لا يستطيعون ابقاء شعب كامل تحت السيطرة، وظهور حركة فكرية من 'المؤرخون الجدد'، تدعو إلي دراسة مسلمات إسرائيلية حول وقائع انشاء الدولة الاسلامية التي اتبعتها وأدي استمرار الاحتلال وافشال اسرائيل لكل جهود السلام ورفضها لتسوية ترضي اما في الفلسطينيين الي ظهور حركات جهادية مثل منظمة حماس التي ترفض الاعتراف بالوجود الاسرائيلي وتطور اساليبها في المقاومة بما يهدد بشكل يومي، رغم القهر الاسرائيلي، امن المجتمع الاسرائيلي. ووفقا لاستطلاعات الرأي فإن 4 % فقط من الشعب الاسرائيلي هم الذين يشعرون بالامن وهذا يعني ان 96 % يفتقرون الي الامن.
إلي جانب المقاومة الفلسطينية ظهرت في الجوار الاسرائيلي المباشر مقاومة علي مستوي متقدم وجديد علي العسكرية الاسرائيلية وهي المقاومة اللبنانية وهي المقاومة التي ارغمت عسكريا متطرفا مثل باراك وهو رئيس الحكومة الي الهرولة منسحبا من جنوب لبنان، وهي المرة الأولي التي ينسحب فيها الجيش الاسرائيلي تحت ضغط المقاومة العربية المسلحة، وقد تبلور هذا التحدي في حرب صيف عام 2006 حين واجه الجيش الاسرائيلي تحديا لعقائده العسكرية التي خاض بها حروبه العربية وحقق بها انتصاراته، ووضعت المقاومة اللبنانية كل الشمال الاسرائيلي تحت رحمة صواريخ المقاومة، وباختصار تعرض مفهوم قوة الردع الاسرائيلي للتحدي وهو ما نتصوره انه سيظل كابوسا يراود المؤسسة العسكرية والتطرف الاسرائيلي ويحاولون تصحيحه. وعلي نطاق البيئة العربية فان اسرائيل مازالت تفتقر الي القبول الذي يجعلها جزءا متكاملا من هذه البيئة، فعلي الرغم من اتفاقيات السلام التي عقدتها مع دولتين عربيتين الا انه يظل سلاما رسميا اذا كانت الحكومات تلتزم به الا انه يلقي رفضا من الشعوب وتتسع اشكال التهديد والتي تواجهها اسرائيل لكي تأتي من قوة اقليمية يتزايد نفوذها وهي ايران لا يخفي قادتها عداءهم لاسرائيل، ويظل هذا العداء واحتمالاته هاجسا اسرائيليا وما يمكن ان تتعرض له إسرائيل في حالة صراع اوسع يشمل ايران.
بل يذهب بعض المؤرخين اعتمادا علي كتابات اسرائيلية ان عمر المشروع الصهيوني لن يزيد عن 20 عاما ويدللون علي هذا بالعديد من الظواهر التي تعمل في المجتمع الاسرائيلي، ويلاحظون سقوط الاجماع الصهيوني، ووجود اغلبية يهود العالم خارج اسرائيل والانقسام الديني العلماني يراود تطرفا وانقساما الي الحد الذي بدأ فيه الحديث عن يهوديتين وليس يهودية واحدة.واستمرار وتعمق اشكالية من هو اليهودي، والملاحظ ان ليس فقط تراجع تدفق الهجرة اليهودية علي اسرائيل بل ظهور الهجرة المعاكسة وتدور التقديرات ما بين 700 الف ومليون، كما ان 52 % من يهود اسرائيل لايستبعدون الهجرة، ولايشعر بالثقة في اسرائيل الا 24 % ويلاحظ انهم من غير الكفاءات، كما ان ثمة ادراكا متصاعدا بانه لايوجد حل للمقاومة وظهور ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية. التي وصفها محللون اسرائيليون بانها تنهش في المجتمع والجيش الاسرائيلي، اما القضايا الاجتماعية فان الاستطلاعات تفيد بأن نسبة الفقر تتراوح ما بين 25 % وبين 60 % 'تقديرات أمريكية' فبينما يزيد عدد المليونيرات ومن ثم الاستقطاب الطبقي، وثمة قلق يتزايد من ضعف القيادات وتحولها إلي الأسوأ مقارنة بالحرس القديم فثمة فراغ في القيادة وتعمق في الازمة نتيجة اتهام كثير من القيادات بالفساد والرشوة.
هذه هي حقيقة الواقع الاسرائيلي اليوم بعد 60 عاما من انشاء الدولة: قوي عسكرية واقتصادية وتكنولوجية متقدمة، واعتراف دولي وولاء ودعم القوي الكبري اما الوجه الاخر من الصورة فهو مقاومة فلسطينية، وعربية فضلا عن احتمالات مواجهة مع ايران، وهو وضع يجرد المجتمع والفرد الاسرائيلي من أي شعور بالامن والاستقرار. بما يرافق هذا من انقسامات دينية ومذهبية وخاصة بين العلمانيين والدينيين، وهي انقسامات تنعكس في استفتاءات الرأي حول قضايا الحرب والسلام وجعلت 64 % من الاسرائيليين يدعون الي الدخول في مفاوضات مباشرة مع حركة حماس.
ان مرور ستين عاما علي تأسيس إسرائيل هي مناسبة امام الباحثين والمؤرخين العرب لكي يفحصوا بموضوعية هذا الواقع المتناقض، وان يجيبوا علي سؤال مركزي يتعلق بمستقبل اسرائيل ومكانتها في المنطقة: هل تستمر وتطرد عوامل القوة والتوسع والهيمنة، ام ان عوامل الضعف مثل الافتقار للامن، والمقاومة الفلسطينية والعربية والرفض العربي سوف تتعمق وتمثل قيودا علي عوامل القوة، وتدفعها الي تغيير جذري في مفاهيم القوة والتوسع والهيمنة.
ان التوصل إلي اجابات دقيقة وموضوعية يمثل ضرورة للسياسات العربية في التعامل مع واقع ومستقبل التحدي الاسرائيلي.
|
|
|
 |
|
|
|