بعد الدور الحضاري للبيمارستانات والأسبلة والخانقاوات:
كيف ننشط المؤسسات الخيرية في مواجهة الأزمات؟
كتب أحمد غراب:
 | | إحدي المؤسسات الخيرية |
|
تعتبر البيمارستانات والاسبلة والتكايا والخانقاوات من أهم مظاهر الانسانية في الحضارة الاسلامية، فضلا عن أنها كانت ومازالت وجها بارزا لفنون العمارة والتنسيق الحضاري الذي نفتقده اليوم في كثير من مبانينا وشوارعنا.
يقول الداعية والمفكر الاسلامي الدكتور محمد عمارة إن الوقف الخيري الاسلامي هو المنطلق لإحياء ظاهرة المؤسسات الخيرية الاسلامية في مختلف المجالات، حيث لعب الوقف الخيري دورا حضاريا وإنسانيا بارزا في نشر المعرفة والعلوم بمختلف فروعها، كما أنه كان الممول للانفاق علي المعلمين وطلاب العلم وايوائهم ودفعهم لمواصلة البحث والتدريس، فالخانقاوات كان يقيم بها المتفرغون للعلم والمعرفة، والبيمارستانات كانت لاستقبال المرضي وعلاجهم مجانا، ومازالت هناك صروح شامخة تقوم بدورها بعد سيطرة الدولة علي الاوقاف الاسلامية، ومن هذه الصروح مستشفي العجوزة الذي كان من منشآت الجمعية الخيرية الاسلامية.
حضارة إنسانية
ويقول أيمن جعفر مفتش آثار: إن العمارة والآثار الاسلامية تؤكد أن الانسان واهتماماته هما منطلق الحضارة الاسلامية التي حرصت علي تلبية حاجاته الوجدانية والمعرفية والمهارية فإنشاء الخانقاوات ارتبط بانشاء وعمارة المساجد والمآذن مثل مسجد وخانقاه (علاء الدين البندقداري الصالحي ويعود تاريخهما إلي عام 683ه ومدرسة وخانقاه بيبرس 798ه، والخانقاه عبارة عن صحن كبير لا تظله إلا السماء وبه ايوانات عديدة متعامدة تعقد اسفلها حلقات العلم وتلقي الدروس وفي أركان هذا الصحن المربع توجد خلاوي الصوفية وحجرات طلاب العلم التي يقيمون ويعيشون بها إعاشة دائمة فترة الدراسة وتتكون من دور أرضي وعدة أدوار علوية تصل إلي ثلاثة أدوار، أما التكايا فهي مثل الخانقاه في كونها عبارة عن صحن مكشوف لكنها لا تماثلها في الارتفاع لأكثر من طابق في كثير من الاحيان.. وتتميز بالاربع ظلات المحيطة بالصحن وكل ظلة بها رواق توجد خلفه حجرات الصوفية والمعلمين.
ويشير أيمن جعفر إلي أن البيمارستانات والاسبلة أصبحت جزءا من التكايا في عصور متأخرة، كما شملت التكية طوابق للنساء والسمعخانة والمدرسة والمسجد، ومن أشهر التكايا التي بيننا اليوم التكية المولوية في شارع الصليبية بحي القلعة وتكية محمد بك ابوالدهب الذي عرف بهذا الاسم لأنه كان يتصدق علي الفقراء بالذهب ويرجع إنشاء التكية إلي عام 1773م. وإلي جانب الوجه الجمالي والذوق المعماري في المنشآت الحضارية الاسلامية كان لها دور عظيم في مواجهة المجاعات وندرة الاقوات والسلع ارتفاع الاسعار في مختلف العصور حيث كانت تتسابق في توزيع الاطعمة المطهية علي اللاجئين إليها بالاضافة لاعاشة من فقدوا مساكنهم في أوقات الزلازل والفيضانات وفي المجاعات كانت مطابخ التكايا تتكفل بإطعام الالاف يوميا، وقد مرت مصر بالعديد من الفترات التاريخية التي شحت فيها الغلال وارتفعت الاسعار وعم الغلاء منذ عهد قرة بن شريك العبسي حتي عصر محمد علي مؤسس مصر الحديثة. ويشير المقريزي إلي أن الخليفة المستنصر في مصر هدد والي القاهرة بقطع رقبته وانتهاب ماله إذا لم يفلح في توفير الاقوات للناس ومواجهة غلاء الاسعار، أما محمد علي مؤسس مصر الحديثة فأمر بضرب الخباز ثمانين كرباجا واغلاق مخبزه إذا خالف الوزن أو المواصفات، وكانت المؤسسات الخيرية الاسلامية تساند الدولة في توفير الاقوات مثلما تفعل الشرطة والقوات المسلحة في المشاركة بتوفير رغيف الخبز للجماهير في ظل ازمة الطوابير والمخالفات المتعددة في عصرنا الحالي.
جهود معاصرة
بينما يري الدكتور عبدالرحمن العدوي إن إحياء دور المؤسسات والمنشآت الخيرية الاسلامية أمر ميسور إذا خلصت النوايا وتتضافرت الجهود، فلدينا اليوم العديد من المستوصفات الطبية الخيرية، وعندنا في السنوات الاخيرة جمعيات ترعي اليتامي وأطفال الشوارع وتهتم بتعليم العلوم الاسلامية إلي جانب تحفيظ وتجويد القرآن الكريم وتنظيم دروس تقوية مجانية لابناء الاحياء الفقيرة.
وفي مدينة نصر لنا تجربة حديثة مع إحدي المؤسسات الخيرية الاسلامية وهي جمعية الارقم بن أبي الارقم التي أشرف برئاستها، حيث لم يقتصر اهتمامنا علي من يلجأون إلينا للتعلم أو العلاج أو طلب المساعدة بل نخرج للناس في الاحياء والشوارع ونهتم بزراعتها بالاشجار والنباتات المثمرة مع متابعة النظافة فيها عملا بقول الرسول صلي الله عليه وسلم: (مامن مسلم يزرع زرعا أويغرس غرسا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به أجر) وباعتباري استاذا بجامعة الازهر أهتم بنشر الوعي الديني من خلال هذه الجمعية في كل مكان، فالجمعيات الخيرية الاسلامية في عصرنا الحديث هي الوجه المعاصر للخانقاوات والاسبلة والتكايا والبيمارستانات لو اخلص القائمون عليها وأصبحوا موضع ثقة الموسرين من أهل الفضل والصلاح.
صدقة جارية
ويقول الشيخ شوقي عبداللطيف رئيس القطاع الديني بوزارة الاوقاف إن الوقف الخيري يعتبر من الصدقات الجارية التي حضنا الرسول علي فعلها حيث يقول صلي الله عليه وسلم: (إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له) فالوقف الخيري يظل ثوابه وأجره ملاحقا للمرء حتي بعد مماته إلي أن يشاء الله، كما أن الوقف الخيري الذي ندر في عصرنا الحالي يعد من الباقيات الصالحات التي هي خير عند ربنا ثوابا وخير أملا.
الوقف وحاجة المجتمع
ويضيف الشيخ شوقي عبداللطيف وكيل أول وزارة الاوقاف ان الوقف الخيري كان يلبي حاجات المجتمع الاسلامي عبر مختلف العصور لذلك ينبغي علي من أراد الوقف ان يراعي حاجة الناس وضرورات حياتهم فالوقف لنشر العلم وتكفل طلابه وعلاج المرضي لايقل ثوابا عن بناء المساجد، وإذا كان بالمجتمع مساجد عديدة تكفيه، وليس به من المدارس والمستشفيات ما يكفيه فالأولي بمن أراد الوقف لامواله واملاكه أن يوجه هذا الوقف لبناء المستشفيات والمدارس حتي يكون نفعه للمجتمع افضل واشمل وثوابه عند الله اعظم.
|
|