خطر يهدد حياتنا:
الغش خطيئة كبري وتسريب الامتحانات خيانة للأمانة
كتب ضياء أبو الصفا:
انقلبت المعايير وتبدلت القيم وأصبح الوصول إلي الهدف بأي وسيلة سواء كانت هذه الوسيلة مشروعة أو غير مشروعة أمرا عاديا لدي كثير من الناس وهو ما ينذر بنتائج كارثية علي مستقبل المجتمع. وتزداد المسألة تعقيدا إذ تعلقت بالتعليم الذي تبني به المجتمعات وتشيد به الحضارات وترتقي. وقد سمعنا مؤخرا عن ظاهرة جديدة حول تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة وشراء أولياء أمور الطلاب الاسئلة لابنائهم وهي الظاهرة التي ترتبط بسلسلة من الأساليب القديمة المعروفة للغش الذي كان اسمي غايات من يقومون به هو مجرد تحقيق النجاح. ولكن عندما تصل الأمور إلي هذا الحد الذي يخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويسلب المجتهد من ثمرة اجتهاده فلابد ان تكون هناك وقفة قوية لمحاربة مثل هذه الممارسات التي سوف يطول خطرها حتي من يقومون بها أو يسهلون القيام بها. فالأب الذي سهل لابنه شراء الامتحان قد يكون ضحية لابن ادخله مجموعة الزائف إلي كلية الطب فأصبح طبيبا ضعيفا لا يحسن مهنته فينتشر خطره ليصل إلي حد تهديد حياة الناس.. في هذه السطور نحاول التنبيه والتذكير بمخاطر هذه الجريمة.
في البداية يؤكد الدكتور طه أبوكريشة عضو مجمع البحوث الإسلامية ان الغش بطبيعته خطيئة كبري في أي مجال يكون فيه لانه يؤدي إلي اضرار كثيرة وكبيرة في مجال الفرد وفي مجال الجماعة ذلك لانه يعود الفرد علي ان يسير في حياته كلها علي هذا المنوال دون ان يفكر في ان يسير علي الطريق الصحيح وبذلك يصل إلي ما لا يستحق الوصول إليه وينال من المكاسب ما ليس من حقه ويتقدم علي من هو أحق بالتقدم عليه إلي آخر هذه المزايا السلبية التي ليست بمزايا في حقيقة الأمر.
ويضيف: أما بالنسبة للمجتمع فإن ذلك يحدث خللا في المقاييس والقيم التي يحتكم اليها الناس والتي من شأنها ان تغرس الطمأنينة والأمن بين الجميع حيث يسود مبدأ الوصول إلي الغايات بغض النظر عن الوسيلة التي توصل إليها، أي ليس هناك فرق بين وسيلة شريفة ووسيلة غير شريفة. بل ربما يعتقد كثير من الناس أن الوسيلة غير الشريفة هي المقدمة علي غيرها لانها توصل إلي غاية لا توصل إليها الوسيلة الشريفة لان صاحب الوسيلة غير الشريفة يستعين بأمور لا أساس لها من القيم الفاضلة. ومن هنا كان تجريم الدين للغش بكل أنواعه وسلب من القائم به صفة الانتماء إلي الإسلام حيث قال النبي صلي الله عليه وسلم: 'من غشنا فليس منا' ويقول: وبالنسبة لظاهرة الغش في الامتحانات فهي تعد من اسوأ أنواع الغش لانها غش في المعنويات وليست غشا في الماديات بمعني انها غش في المستوي الفعلي عند من يستعين بهذه الوسيلة حيث يؤهله الغش إلي منزلة ليس أهلا لها في الواقع وبالتالي فهو لا يستطيع ان يحسن حيث يجب الاحسان ولا يستطيع ان يبتعد عن الاساءة حيث يجب الابتعاد فإذا تكرر هذا الغش العقلي عند مجموعة كبيرة من الأفراد فإن معني ذلك ان تكون قيادة الأمة في كل ميادينها مع أيد غير مؤهلة للقيادة ومن ثم تهزم الأمة وتتأخر في أي ميدان يكون تحت يد من هذه الأيدي، ومن هنا يظهر لنا حجم المأساة التي تكون من وراء الغش في الامتحانات التي لا يعلم احد مداها الا مع ظهور آثارها المفجعة في الحاضر والمستقبل. ويؤكد الدكتور طه أبوكريشة انه يجب ان يقدم هؤلاء الذين يعينون علي الغش إلي محاكمات عاجلة وان توقع عليهم اشد العقوبات التي من أقلها العزل من وظائفهم ليكونوا عبرة وعظة لمن تسول له نفسه ان يصنع صنيعهم في المستقبل سواء علي مستوي أولياء الأمور أو علي مستوي المشرفين علي هذه الامتحانات لان الكل شركاء في احداث هذه الجريمة.
ويشير الشيخ عبدالتواب عبدالحكيم قطب من علماء الأزهر إلي ان الغش ظاهرة سلبية ويعمل علي عدم تكافؤ الفرص ويعطي لغير المستحقين حقوق غيرهم، والإنسان الذي تعب واجتهد ربما يتفوق عليه من لم يتعب ولم يراع لله حقا. وقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم 'من غشنا فليس من' ومن غشنا هنا فيها صفة العموم سواء في السلع أو الامتحانات أو غيرها ويترتب علي ذلك إذا واصل الشخص واستمر في هذه الظاهرة فان ذلك ينعكس علي المجتمع فيخرج الطبيب الفاشل الذي قد يتسبب في ضياع حياة الناس ويتخرج المهندس الفاشل الذي لا يمكن الاعتماد عليه.. ولا شك انه يكون عنصرا فاسدا في المجتمع لانه لم يكتسب مهارة من حيث الأداء المكلف المفترض ان يكتسبه من خلال المعرفة الصحيحة والرسول 'صلي الله عليه وسلم' أمر بالتعلم وقال: 'تعلموا العلم وتعلموا للعلم أمورا ثلاثة: السكينة والوقار والتواضع'. ومبدأ الغش يتنافي تماما مع مبدأ السكينة والوقار.. ومعني السكينة يكون أكثر التزاما ومن يغش ليس بملتزم. والعلم يدعو صاحبه إلي توقير العلم وتوقير العلماء والذي يغش في الامتحان لا يتصف بهذه الصفات، فهو لا يوقر العلم ولا يوقر العلماء لانه يسرق حقا ليس له.
ويؤكد الشيخ عبدالتواب ان من يقوم بتسريب الامتحانات والاسئلة وكل ما ييسر الغش فهو خائن للأمانة وقد قال الله تعالي في ذلك: إنٌّا عٌرٌضنٌا الأٌمٌانٌةٌ عٌلٌي َسٌّمٌوٌات ¤ٌالأٌرض ¤ٌالجبٌال فٌأٌبٌينٌ أٌن يٌحملنٌهٌا ¤ٌأٌشفٌقنٌ منهٌا ¤ٌحٌمٌلٌهٌا الإنسٌاني إنٌّهي كٌانٌ ظٌليومْا جٌهيولاْ والذي يؤتمن فيصون الأمانة مكانته عالية ومرتبته عالية عند الله وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: 'آد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك' ومبدأ الإسلام قائم علي صون الأمانة وعدم الخيانة حتي لمن يخون فلا يجب ان يخونه المسلم لان المسلم مبدأه قائم علي صون الأمانة وحفظها. ولا شك ان عدم المحافظة علي الامتحانات وتسريبها وتسهيل مبدأ الغش بأي وسيلة أو كيفية للطلاب هو خيانة للامانة يحاسب عليها العبد من قبل الله بالطرد من رحمته عز وجل.
مصداقا لقول النبي صلي الله عليه وسلم: 'من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ووفقه فيما يعمل حتي يستوجب الجنة ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق فيما يعمل حتي يستوجب النار'. صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.
كل من يشترك في هذه الأمور فهو يساعد علي خيانة الأمانة وعدم حفظها. ومن قبيل النصح ينبغي لولي الأمر ان يكون مساهما في الحفاظ علي من يعوله حتي يكون عنصرا صالحا في المجتمع اما إذا ساعد من يعوله علي الغش سواء أكان بمساعدة الغير له أو بشراء الاسئلة كما نسمع فهو يساعد بهذا علي جعل ابنه عنصرا فاسدا في المجتمع اضافة لما يعود عليه هو من سخط الله عز وجل وعقوبته له بخيانته امانة ربه وعدم المحافظة عليها.
ويشير الدكتور محمد أحمد المسير الاستاذ بجامعة الأزهر إلي الظاهرة باعتبارها تمثل فساد ضمير لا يرتبط بشخص وإنما يتعداه إلي الأمة ويقول: هناك جهات متعددة تتواطأ علي المنكر وتتلاقي علي الافساد في المجتمع فالقائمون علي أمر هذه الجريمة تدل المؤشرات علي أن بعضهم من المسئولين عن حماية القانون وإقرار الأمن.
ويؤكد المسير ان المسألة تحتاج إلي اعادة مواجهة للمنكر وللجريمة بشكل حاسم وسريع ولابد ان تكون العقوبة مناسبة للجريمة وان يتم تطبيق القانون علي الجميع الكبار قبل الصغار لان هلاك الأمم مرتبط بأن يغفل القانون عن البعض لسبب ما، والرسول صلي الله عليه وسلم يقول: 'انما أهلك من كان قبلكم من الأمم انه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد'.
ويشدد المسير علي ضرورة فرض عقوبة تعزيرية يقدرها العقلاء والحكماء في الأمة حتي لو وصلت إلي حد الإعدام في ميدان عام وذلك في الجرائم التي ترتبط بالغش ويقول: ماذا نقول في إنسان يقدم اسمنتا أو حديدا لا يصلح للبناء ثم تهدم العمارة بعد ذلك علي رءوس سكانها فتقتلهم؟ وماذا نقول لإنسان يسرب أسئلة الامتحانات لطلاب جاهلين يخرجون بعد ذلك أطباء ومهندسين ويتعاملون بعد ذلك مع البشر بجهلهم الفاضح فيقتلون انفسا بغير حق. فالغش جريمة نكراء بخاصة إذا كان غشا جماعيا وبهذه الطريقة السفيهة ويشير إلي نماذج متعددة للغش في العديد من مجالات الحياة بقوله: الذين يقدمون لحوم الحمير للناس يغشون غشا قاتلا والذين يبيعون الأجهزة الطبية الفاسدة والملوثة يغشون غشا قاتلا...إلخ وينهي كلامه: نحن أمام ظاهرة تحتاج إلي قانون صارم يطبق علانية وبحزم وسرعة علي الجميع في محاولة للإصلاح قبل فوات الأوان.
|
|