الحوار في القرآن والسنة (1)
بقلم : د.أحمد عمر هاشم
لغة الحوار :
ان لغة الحوار لغة عريقة في الاسلام من خلال مصدريه الأساسيين: القرآن والسنة الصحيحة.
لقد بدأت هذه اللغة منذ قال الله تعالي للملائكة 'إني جاعل في الأرض خليفة'.
'قٌالوا أٌٌتٌجعٌل فيهٌا مٌن يفسد فيهٌا و ٌيٌسفك الَدّمٌاءٌ و ٌنٌحن نسٌبّح بحٌمدكٌ و ٌنقٌدّس لٌكٌ قٌالٌ إنّي أٌٌعلٌم مٌا لا تٌعلٌمونٌ30 ' 'البقرة '.
لغة الحوار ضرورية، لأنها ترسي أصول الحقيقة، وتثمر الاقتناع لدي جميع الأطراف ويتعرف كل فريق علي جانب الحق بوضوح لا لبس فيه، ولذا يري المتصفح لآيات القرآن الكريم جوانب عديدة للحوار بين رسل الله عليهم الصلاة والسلام وبين أممهم، وجوانب عديدة للحوار بين رسول الله وبين المؤمنين، وبين الناس بعضهم مع بعض في أمور العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق، وفي شئون الدنيا والآخرة.
وفي عصرنا الحاضر أصبحت لغة الحوار أهم ماينبغي أن تعني به الأمم خاصة بعد ظهور نظريات ودعوات تقول بصراع الحضارات، وهي نظرية مرفوضة، فالاسلام يدعو الي تعاون الحضارات لا صدامها، ولقد عرف الاسلام لغة الحوار، وطبق المسلمون مبادئه الراشدة من أقدم العصور ومنذ ظهور الاسلام، وانما اتخذ الاسلام منهج الحوار، لأن دعوة الاسلام عالمية فلابد أن يسود الحوار حتي يصل الناس الي الحق، ولننظر الي عالمية الاسلام في ذلك.
صور من الحوار في القرآن الكريم :
منذ الصفحات الأولي في القرآن الكريم الذي يبتعد المسلمون بكل كلمة فيه يأتي الحوار معلما، بارزا واضحا كل الوضوح .. ومن ثم نجد صورا من الحوار منسابة في القرآن الكريم كله.
وقد وضح منهج القرآن الكريم في الحوار في كثير من الصور، لعل أبرزها ماجري من حوار بين الله جل جلاله والملائكة عندما أراد الله تعالي تمكين آدم في الأرض.
وفي القرآن الكريم جاء هذا الحوار علي النحو التالي :
يقول الله تعالي للملائكة :
'إنّي جٌاعل في الأٌٌرض خٌليفٌةْ'.
فترد الملائكة :
'أٌٌتٌجعٌل فيهٌا مٌن يفسد فيهٌا و ٌيٌسفك الَدّمٌاءٌ و ٌنٌحن نسٌبّح بحٌمدكٌ و ٌنقٌدّس لٌكٌ'.
فيقول الله للملائكة :
'إنّي أٌٌعلٌم مٌا لا تٌعلٌمونٌ'.
ثم يعلم الله آدم الأسماء كلها ويقول للملائكة:
إنبئوني بأسماء هؤلاء ويقول للملائكة:
'أٌٌنبئوني بأٌٌسمٌاء هٌؤلاء إن كنتم صٌادقين'.
فيعترف الملائكة بعجزهم ويقولون لله:
'سبحٌانٌكٌ لا علمٌ لٌنٌا إلاٌّ مٌا عٌلٌّمتٌنٌا إنٌّكٌ أٌٌنتٌ
الَعٌليم الَحٌكيم'.
فيقول الله لآدم :
'أٌٌنبئهم بأٌٌسمٌائهم' فينبئهم آدم بأسمائهم.
فيقول الله للملائكة:
'أٌٌلٌم أٌٌقل لٌّكم إنّي أٌٌعلٌم غٌيبٌ الَسٌّمٌوٌات و ٌالأٌٌرض و ٌأٌٌعلٌم مٌا تبدونٌ و ٌمٌا كنتم تٌكتمونٌ'.
وهكذا ينتهي الحوار بين الله سبحانه وتعالي والملائكة..
ثم يقع حوار آخر بين الله وآدم وحواء تذكره الآيات القرآنية التالية :
'و ٌإذ قلنٌا للمٌلائكٌة إسجدوا لآدٌمٌ فٌسٌجٌدوا إلاٌّ إبليسٌ أٌٌبٌي و ٌاستٌكبٌرٌ و ٌكٌانٌ منٌ
الَكٌافرينٌ'.
'و ٌقلنٌا يٌا آدٌم أسكين أٌٌنتٌ و ٌزٌوجكٌ
الَجٌنٌّةٌ و ٌكلا منهٌا رٌغٌدْا حٌيث شئتمٌا و ٌلا تٌقرٌبٌا هٌذه
الَشٌّجٌرٌةٌ فٌتٌكونٌا منٌ الَظٌّالمينٌ'.
'فٌأٌٌزٌلٌّهمٌا الشٌّيطٌان عٌنهٌا' (أي جعلهما ينحرفان).
'فٌأٌٌخرٌجٌهمٌا ممٌّا كٌانٌا فيه' (أي من الجنة). وقلنا (أي قال الله لآدم وحواء):
'و ٌقلنٌا إهبطوا بٌعضكم لبٌعض عٌدوّ و ٌلٌكم في الأٌٌرض مستٌقٌرّ و ٌمٌتٌاع إلٌي حين '.
لكن آدم يعلن ندمه وتوبته فيتوب الله عنه، قال تعالي :
'فٌتٌلٌقٌّي آدٌم من رٌّبّه كٌلمٌات فٌتٌابٌ عٌلٌيه إنٌّه هوٌ
الَتٌّوٌّاب الَرٌّحيم'.
'ثم يصدر الأمر الالهي ببداية تعمير الأرض ورحلة الصراع بين الحق والباطل:
'قلنٌا إهبطوا منهٌا جٌميعْا فٌإمٌّا يٌأتيٌنٌّكم مّنّي هدْي فٌمٌن تٌبعٌ هدٌايٌ فٌلا خٌوف عٌلٌيهم و ٌلا هم يٌحزٌنونٌ'
'البقرة 30 38'
وهكذا نري ان الله سبحانه وتعالي أخبر الملائكة انه جاعل في الأرض خليفة، وفي هذا امتنان علي بني آدم حيث ذكرهم رب العزة سبحانه في الملأ الأعلي قبل ايجادهم ومعني (خليفة): يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، وكان سؤال الملائكة:
'أٌٌتٌجعٌل فيهٌا مٌن يفسد فيهٌا و ٌيٌسفك َدّمٌاءٌ و ٌنٌحن نسٌبّح بحٌمدكٌ و ٌنقٌدّس لٌكٌ'.
وسؤالهم هو سؤال استعلام واستكشاف يريدون معرفة الحكمة من خلق آدم، مع أن من بني آدم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ولعلهم علموا ذلكبماهو معلوم عن الملائكة من أنهم لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون وأن غيرهم من بني آدم ممن ركبت فيهم الغرائز قد يفسدون أو آنهم علموا ذلك بعلم علمهم الله إياه وعرفهم الله سبحانه وتعالي به.
|
|