|
|
|
|
57 | السنة - | 17553 | ه - العدد | 1429 | رجب | من | 19 | - م | 2008 | يوليو | من | 22 | الثلاثاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
8:12:46 PM |
 |
الساعة - |
 |
7/21/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
نظرة إلي المستقبل
مستقبل عمران أرض مصر (4)
بقلم :
سمير
غريب
sgharib@internetegypt.com
بعد سبعة أجزاء نصل إلي الجزء الأهم في دراسة العمران المصري. رصد التطورات في عمران أرض مصر في أواخر القرن العشرين واستطلاع مساراته المستقبلية حتي 2020. هذا الجزء الأهم ذ الثامن ذ عن المسارات المستقبلية نموذج علي الدراسة العلمية للمستقبل القريب. وعلي حد علمي لم تصل أية دراسة أخري أجريت في مصر لاستطلاع مستقبل موضوع ما إلي هذا المستوي الرفيع من البحث. ربما لم تجر أساسا دراسات مستقبلية عندنا بالمعني العلمي، علي الرغم من نشر عدة كتب في الأعوام العشرين الأخيرة تناولت المستقبل. فالمحتوي في هذه الكتب لم يخرج عن كتابة المقالات.
لذلك، اندهشت قليلا ذ إذ لم يعد هناك محل للاندهاشات الكبيرة في هذا الزمن ذ عندما أخبرني الأستاذ الدكتور أبو زيد راجح، الباحث الرئيسي في هذه الدراسة، أنهم أرسلوا نسخا منها مجانا إلي كثير من الوزراء وكبار المسئولين في الدولة، ولم يرد عليهم أحد منهم ولو بكلمة شكر، باستثناء واحد أو اثنين.
هذا فيما كان يجب أن تقام المؤتمرات وتعقد الندوات لمناقشة موضوع الدراسة، وبخاصة في جزئها الأخير المعني بالمستقبل. وكان يجب تحديدا علي المجالس القومية المتخصصة أن تقوم بهذا العمل. ولكن المجالس اكتفت منذ زمن بكتابة الأوراق السريعة وعقد الجلسات الروتينية. وأنا حزين علي ضياع جهد ووقت العشرات من علماء وخبراء مصر الأعضاء في هذه المجالس.. كما كان يجب علي غير المجالس من هيئات ومراكز ولجان القيام بتنظيم مثل هذه المناقشة المرجوة للدراسة لتعميق فاعليتها. ولن أتحدث عن وسائل الإعلام التي لم تعلم عنها.
وضعت اللجنة التنفيذية المشرفة علي مشروع مصر 2020 خمسة سيناريوهات لمستقبل العمران في مصر. . وفي كل السيناريوهات لم تنفصل السياسة عن المجتمع أو العمران. وهذا منطقي، فالنظام السياسي يؤثر بقوة عليهما. . السيناريو الأول اسمه السيناريو المرجعي ويعتمد علي بقاء النظام الحالي علي ما هو عليه. ولا يستند هذا السيناريو فكريا إلي أيديولوجية معينة، بل يسير وفق مفاهيم النخبة القائمة، والتي يصفها السيناريو بأنها تتسم عموما بالاجتهاد الفردي، وتستند في شرعيتها علي الأمر الواقع، وتجعل ضمن أهم أهدافها استمرارية النظام واستقراره. . السيناريوهات الثلاثة التالية لها اسم أساس واحد هو السيناريو الابتكاري مما يعني أن كلا منها يقوم علي تغيير الوضع القائم وابتكار حلول جديدة. لكن شتان بين حلول وحلول في كل سيناريو منها. يتضح ذلك من قراءة العنوان الفرعي لكل سيناريو. فالسيناريو الثاني، وهو الابتكاري الأول، يحمل عنوانا فرعيا: الدولة الإسلامية. يليه سيناريو الرأسمالية الجديدة، ثم السيناريو الرابع أو الابتكاري الثالث يحمل عنوان الاشتراكية الجديدة.
أي أن كل سيناريو من هذه الثلاثة الابتكارية يعتمد علي مذهب سياسي محدد : ديني ذ رأسمالي ذ اشتراكي. الديني يعني قيام دولة دينية كما تطالب الجماعات الموصوفة بالإسلامية. الرأسمالي الجديد يفترض أن مصر سوف تسير في المد الرأسمالي الحالي، وتسعي للاندماج في النظام العالمي الجديد. بما في ذلك حرية السوق وفتح الأبواب علي مصاريعها علي الخارج والاعتماد كلية علي القطاع الخاص مع التخلص تماما من القطاع العام. أما الاشتراكي الجديد فيفترض دعاته أنه قد يكون النظام الأنسب لمجتمعات العالم الثالث ومنها مصر بما تعانيه من مشاكل عمرانية اقتصادية. ويحاول هذا السيناريو إعادة النظر في بعض المسلمات التي سادت الفكر الاشتراكي خلال الأحقاب الماضية. وتجنب المشاكل التي تعرضت لها التطبيقات الاشتراكية التقليدية، مع مرونة في الفكر والممارسة والسماح بدرجة محسوبة من حرية السوق والنشاط الخاص. . أي هو سيناريو يحاول بناء نظام شبه مثالي نظريا علي الأقل.
السيناريو الخامس والأخير أسموه السيناريو الشعبي ذ التآزر الاجتماعي. ويفترض فيه أرضية مشتركة بين السيناريوهات الأربعة السابقة. أي انه سيناريو توفيقي بين الأفكار والنظريات المختلفة. وقبل أن اعترض عليه وجدت الدراسة ذاتها تتحفظ عليه ذاكرة أنه سيناريو نظري في المقام الأول واجتهاد فكري قد يصعب علي تيارات متباينة تحقيقه.
بالطبع من الصعب تلخيص ما ورد في كل سيناريو من هذه السيناريوهات في مقالة واحدة. وبهذه المناسبة أري أنه كان من الأفضل أن ينشر القائمون علي الدراسة القيمة ملخصا لها، وربما كانت في حاجة إلي ملخصين أحدهما شديد التلخيص. وذلك لتسهيل نشر المعلومات الأساسية والأفكار الرئيسية وتوسيع مجال الاستفادة منها. ومع ذلك سوف أحاول ذكر بعض من الخطوط العريضة هنا.
في السيناريو المرجعي : سكان مصر عام 2020 حوالي 93 مليون نسمة. تزداد الفجوة في المجتمع بين أغنياء لهم ثروة وسلطة وفقراء ليس لهم شئ. لن تستوعب مدن وقري مصر الحالية مزيدا من السكان، والباقي لا حل له إلا الصحراء. هذا الباقي سيكون في حدود 4 و12 مليون نسمة. ستستمر المشاكل العمرانية الحالية وقد تتفاقم بعضها. سوف يستمر التضارب في السلطات واختلاط المسئوليات وهيمنة السلطة المركزية. لن تكتمل المخططات العمرانية للمدن المصرية، وربما تصل إلي النصف عام 2020 ولن يتم احترام حتي هذه المخططات. سوف تزداد الأحياء العشوائية مع استمرار تآكل المساحة الزراعية. سوف يستمر التشوه العمراني من تباين وتنافر في كل شيء!! سوف تحتاج مصر إلي بناء 5 و3 ملايين وحدة سكنية مختلفة في المدن معظمها لمحدودي الدخل، و 7 و1 مليون وحدة سكنية في الريف و 3 ملايين في المجتمعات العمرانية الجديدة. أي أن مصر في حاجة طبقا لهذا السيناريو إلي ما يقرب من 2 و8 ملايين وحدة سكنية حتي 2020 وما يتبع ذلك من مرافق متنوعة.
في السيناريو الإسلامي : سيزيد سكان مصر بأكثر من مليون نسمة عن السيناريو المرجعي، وبصفة عامة سيزيد عدد السكان بأعلي من الزيادة المفترضة في كل السيناريوهات الأخري. وبالتالي ستزيد أعداد الوحدات السكنية السابق ذكرها. في المقابل سوف تنال الشريحة السكانية تحت خط الفقر أولوية في الخدمات أكثر من غيرها. وسيأتي الإسكان في مقدمة هذه الخدمات، لأن هذه الشريحة علي حد قول الدراسة تعتبر أكثر الشرائح استجابة لأوامر الدين. أي أنها ستمثل للنظام الديني السند الاجتماعي. وسيولي هذا النظام اهتماما كبيرا بالتنمية، مع إعطاء دور كبير للقطاع الخاص أيضا. وسيرفض هذا النظام العولمة واتفاقيات دولية مثل الجات. أي أنه سيدخل في انكفاء وعزلة مما سيؤدي إلي انسحاب جزء كبير من الاستثمارات العربية والأجنبية. مما سيؤدي إلي ضائقة اقتصادية وتعثر في التنمية قد تعوق توفير الخدمات الأساسية. والأخطر أن اختيار الأفراد في المواقع الإدارية قد لا يعتمد علي اعتبارات الكفاءة بقدر اعتماده علي الثقة والانتماء.. يتجه سيناريو الرأسمالية الجديدة إلي ترسيخ حرية السوق والانفتاح والاندماج في النظام الرأسمالي العالمي، مع الاعتماد علي الانضباط والكفاءة والديموقراطية والتعددية والحد من السلطة المركزية وتقوية المجتمع المدني. عدد السكان سيقل عن السيناريو هين السابقين. وسيسعي إلي إنشاء محاور تنموية خارج الوداي والتي ستشكل مجتمعا مصريا ثالثا. من المتوقع الاهتمام أكثر بالطبقة الوسطي، وكذلك الاهتمام بالزراعة واستصلاح الأراضي، والصناعات الصغيرة. كما سيغير هذا النظام من التشريعات الخاصة بالإسكان، وسيحاول القضاء علي العشوائيات. إلا أن تكلفة التشييد ستكون أكثر ارتفاعا مما سيعقد من توفير مساكن لغالبية المجتمع.
ستضم القاعدة الطبقية لسيناريو الاشتراكية الجديدة قوي متنوعة وتعددية سياسية وتداول سلطة وتعدد أشكال الملكية. مع الاعتماد علي العمال والطبقة الوسطي، والجمع بين المركزية واللامركزية. كما سيسعي إلي الحد من الزيادة السكانية لتتوازن مع معدلات التنمية، وهنا توقع بأقل زيادة سكانية ليصل عدد السكان إلي 90 مليونا فقط. وفي الوقت نفسه ستتم إعادة توزيع السكان جغرافيا وخلق فرص عمل جديدة. بشكل عام يرسم هذا السيناريو صورة أقرب للوردية لمستقبل مصر عام 2020 في جميع مجالات العمران والتنمية. إلا أنه سيتفق مع السيناريو الديني في رفض العولمة والانسحاب من بعض الاتفاقيات الدولية. هنا تبدو صياغة هذا السيناريو متفقة مع التوجه الفكري الاشتراكي لمنتدي العالم الثالث، مع وعي بالتطورات التي استجدت علي هذا الاتجاه.
لا يبقي إلا تمحيص كل هذه السيناريوهات من قبل الرأي العام وبخاصة صفوته من العلماء والخبراء. مع الاحتفاظ بالتقدير الكبير للجهد الرائع المبذول في الدراسة ككل.
|
|
|
 |
|
|
|