آخر عمود
مبادرة فريد خميس
إبراهيم سعده
ibrahimsaada@yahoo.com
كارثة بكل المقاييس هذا الحريق المروٌع الذي دمٌر بعض أدوار مبني مجلس الشوري، ونحمد الله أن ألسنة النيران المشتعلة لأكثر من 6ساعات توقفت ولم تتطاير لتلتهم أكثر مما التهمته خاصة أن مبني 'الشوري' ملاصق لمبني 'الشعب'، ويطل المبنيان علي مقر رئاسة مجلس الوزراء.
لقد فزعنا جميعا من فداحة هذه الكارثة، ومن مشاهدها التي بثتها علي الهواء جميع قنوات التليفزيون العربية والعالمية نقلا عن قناة النيل للأخبار التي سبقتها بنقلها المباشر من الموقع ثانية بثانية وسط ذهولنا، وقلقنا، ورعبنا، مما يمكن أن يحدث في الدقائق أو الساعات التالية.
يجب ألاٌ ننسي أنه 'لا حصانة' للبرلمان ضد النار، وأن الحرائق لا تفرق بين مبني أثري عريق وبين مبني خشبي عشوائي، ولا بين بلد يلتزم بألف باء أصول الوقاية من الحرائق، وبين بلد آخر يعتمد دائما علي تقلبات القدرالذي لا مفٌر منه ومنها.. بدليل ما نسمعه عن ملايين الحرائق التي لم تسلم منها مدينة أو قرية في قارات الدنيا الخمس. وبالنسبة لنا في مصر المحروسة قرأت أمس ما كتبه الزميل الأستاذ نبيل شرف الدين، في موقع 'إيلاف' مشيرا إلي إحصائية رسمية أكدت 'نشوب 25ألف حريق في مصر خلال السنوات العشر الماضية، وأن شركات التأمين المصرية دفعت خلال نفس الفترة 1000 مليون جنيه تعويضات للمتضررين ماديا، أما الخسائر البشرية فتعدت 3 آلاف بين قتيل وجريح'.
المستشارالنائب العام الأستاذ عبدالمجيد محمود سارع بتشكيل لجنة من رؤساء النيابة انتقلوا إلي مكان الحادث لإجراء تحقيقاتهم الموسعة، ووصولا إلي تحديد أسباب الحريق التي حرص الجميع علي عدم التسرع في التنبؤ بها انتظارا لنهاية التحقيقات الأمنية والقضائية. وإذا كان هذا هو المنتظر من المصادر الرسمية، فإن 'العالمين ببواطن الأمور' وما أكثرهم في بلادنا سارعوا بتوجيه إصبع الإتهام إلي 'فأر السبتية' نسبة إلي مولده في حي السبتية بالقاهرة الذي يقتات ويعيش علي قضم أسلاك الكهرباء ليسبب الماس الكهربائي الذي يعقبه اشتعال الحريق.. أي حريق، وكل حريق.. خلال الخمسين سنة الماضية! مروجو هذه النبوءة لم يسأل واحد منهم نفسه كيف يمكن للفأر أن يعيش أكثر من نصف قرن ويحتفظ بأسنانه وأنيابه التي يمزق بها الحديد والألمنيوم والبلاستيك؟!
وسط كل ما رأيناه من مآس علي شاشة قناة النيل للأخبار صاحبة السبق التليفزيوني العالمي إلاٌ أنني عثرت علي خبر صغير سعدت له ومنه سعادة كبيرة وحقيقية. يقول الخبر: 'اتصل رجل الأعمال محمد فريد خميس عضو مجلس الشوري بالسيد/صفوت الشريف، رئيس المجلس، وأبلغه بأنه قرر التبرع بمبلغ 10ملايين جنيه لإعادة بناء المجلس '.
ما فعله السيد/ محمد فريد خميس يستحق الإعجاب بالفعل، أولا: لأنه صاحب هذه المبادرة، وثانيا: لأنه دون أن يتعمد بالطبع قدم صورة مشرقة لرجال الأعمال المصريين الذين ساءت، وشوٌهت، صورتهم بشكل مبالغ فيه خلال الفترة الأخيرة.
وأتصوٌر أن العديد من رجال الأعمال الشرفاء في بلدنا وما أكثرهم سوف يتلقفون 'مبادرة خميس' ويسارعون هم أيضا بالتبرع من أموالهم للمساهمة في إزالة آثار الحريق المرعب، وإعادة بناء مبني مجلس الشوري ليصبح أجمل مما كان.
وعملا بمقولة: 'للمصائب فوائد' فإني أتصوٌر أن الدكتور أحمد نظيف سيجد في 'مبادرة خميس' فرصة حقيقية لتحقيق ما سبق أن تحمٌس له في 'تفريغ وسط القاهرة' من عقارات ومباني الدولة إلي خارجها في المدن الجديدة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا لإنقاذ هذا الوسط من كل ما يعاني منه من تكدس، و زحام، وفوضي مرورية لا مثيل لها خاصة أثناء انعقاد جلسات مجلسي الشعب والشوري.
ماذا يمنع من نقل المجلسين إلي مدينة 6أكتوبر، أو غيرها من المناطق حتي لا يعترض أحدهم بأن مدينة 6 أكتوبر ليست العاصمة مادام رجال الأعمال، خاصة أثرياء نواب الشعب والشوري بافتراض موافقتهم مسبقا سيموٌلون تكاليف البناء؟!
لو حدث هذا وأنا لا أستبعد حدوثه فلن يكون بدعة، ولا تفضلا. فرجال الأعمال في كل أوروبا وأمريكا قد ينحرف بعضهم، أو تساء صورتهم بأفعالهم، أو يعانون من الافتراءات عليهم.. لكنهم لا يستسلمون، ولا يتعالون، ولا يعاندون.. وإنما يسارع بعضهم بتصحيح مواقفه، أولا، ثم يبادر بتحسين صورته أملا في كسب مصداقيته المفقودة من خلال أعماله، ومساهماته، الخيرية والتطوعية، وكلها من أجل الصالح العام ، من جهة، والاعتراف بفضل الشعب والدولة عليه .. من جهة أخري.
|
|